إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول ، فدرك كلّ شيء ووصوله بحسبه ، فالإدراك بالبصر ، التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر ، والإدراك بالمشي كما في قول ابن منظور : مشيت حتى أدركته ، التحاق الماشي المتأخّر بالمتقدّم بالمشي ، وهكذا .
فإذا قال سبحانه :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
يتعين ذلك المعنى الكلّي ، أي اللحوق والوصول بالرؤية ، ويكون المعنى أنّ الأبصار لا تلحق باللَّه بالرؤية ، فإنّ لحوق البصر يتحقّق عن طريق الرؤية ، وهذا الوصف :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
ممّا تفرّد به سبحانه .
إنّ القرآن الكريم كلّما يطرح مسألة الرؤية يطرحها بشكل يؤكّد فيه عجز الإنسان عن نيلها ويعتبر سؤالها وتمنّيها أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلّعاً إلى أمر هو دونه .
1 . قال سبحانه :
« وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ »
. « 1 »
2 .
« يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ » .
« 2 »
إلى غير ذلك من الآيات التي تندّد بالإنسان المتمنّي رؤيته سبحانه ، وعندما طلب موسى رؤيته سبحانه - وذلك بعد إصرار من قومه لتقوم رؤيته مكان رؤية القوم - خوطب بقوله تعالى :
« لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي »
. « 3 »
هامش
( 1 ) . البقرة : 55 .
( 2 ) . النساء : 153 .
( 3 ) . الأعراف : 143 .