استدار وعاد إلى ما كان عليه الحجّ في وقت إبراهيم .
فهذا مجموع ما قاله المفسّرون في هذا الباب . « 1 »
فهذه الأمثلة تفيد أنّ المراد من الجدال في الآية هو الجدال المنهيّ عنه سواء أكان منهيّاً عنه بالنهي التحريميّ أو النهي التنزيهيّ الكراهيّ .
وجاء في « الفقه على المذاهب الأربعة » : ويحرم الخروج عن طاعة اللَّه تعالى بأيّ فعل محرّم ، وإن كان ذلك محرماً في غير الحجّ ، إلّا أنّه يتأكّد فيه وتحرم المخاصمة مع الرفقاء والخدم ونحوهم لقوله تعالى :
« فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ »
والجدال : المخاصمة . « 2 »
وعلى ذلك فالجدال المباح والمناقشة من غير أن يثير غضب الآخر كالجدال الوارد في قوله سبحانه :
« قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ »
خارج عن مصبّ الآية ، فلو كانت المرأة الشاكية محرمة ، وقد رفعت أمرها إلى النبيّ وطلبت حقّها من زوجها ، لم يُعَدّ ذلك من الجدال المحرّم والمراء المنهيّ عنه والمخاصمة المبغوضة بل يعدّ طلباً للحقّ عن طريقه .
روى المفسّرون أنّ امرأة من الأنصار بعد ما ظاهر منها زوجها جاءت إلى النبي وقالت : إنّ زوجي تزوّجني وأنا شابة غانية ذات مال وأهل حتّى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرّق أهلي وكبر سنّي ظاهر منّي . . . إلى آخر ما ذكرته .
فإذا كان الجدال المباح خارجاً عنها فالجدال المندوب أولى بالخروج منه ، كيف لا وقد أمر سبحانه نبيّه بالجدال المندوب في كتابه .
هامش
( 1 ) . تفسير الإمام الفخر الرازي : 1 / 175 .
( 2 ) . الفقه على المذاهب الأربعة : 1 / 524 .