المعنى الثالث
ما اختاره كثير من المفسّرين هو حمل النفي على النهي والغاية هو النهي عن الأُمور الثلاثة ، وعندئذٍ يتوهّم المستدلّ أنّ ظاهر الآية هو النهي عن مطلق الجدال ومنه المظاهرات السياسية .
غير أنّه يجب على المريد للحقيقة وقفة قليلة حتّى يتبيّن أمران :
1 . إنّ الجدال ينقسم إلى محرّم ومباح ومندوب ، فهل المنهيّ عنه هو مطلق الجدال أو يختصّ بالقسم الأوّل منه ؟ وكونه محرّماً في غير الحجّ يلازم كونه محرّماً فيه أيضاً ، بل تكون الحرمة أشدّ .
2 . إنّ المظاهرات السياسيّة ، وإلقاء الخطب ، وإيقاظ المسلمين عن غفلاتهم ، وإظهار البراءة من أعدائهم الشرقيّين والغربيّين ، هل هي من مصاديق الجدال وموارده أو لا صلة لها بذلك أبداً ؟ وإليك بيان الأمرين :
إنّ المراد بالجدال هنا هو المراء الذي يجب الاجتناب عنه في الحجّ وغيره ، ولكنّه في الحجّ أولى .
قال الزمخشري :
« ولا جدال : أي ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين ، وإنّما أمر باجتناب ذلك ، وهو واجب الاجتناب في كلّ حال ، لأنّه في الحجّ اسمج كلبس الحرير في الصلاة ، والتطريب في قراءة القرآن » . « 1 »
وقال في المنار :
« الجدال : المراء والخصام ، فتكون هذه المناهي كلّها آداب لسانية ، ويجب أن
هامش
( 1 ) . الكشاف : 1 / 263 .