المعطى لوجود جميع الموجودات وهو الفيّاض للوجود على كلّ الماهيّات بيّن سبحانه أنّه يمتنع أن يتولّد عنه مثله فإنّه ربّما يسبق إلى الوهم أنّه لمّا كانت هويّته تقتضى الإلهيّة الّتي معناها الإفاضة على الكلّ وإيجاد الكلّ فلعلّه يفيض عن وجوده وجود مثله حتى يكون والدا له فلا يتشخّص إلّا بواسطة المادّة وعلاقتها وكلّ ما كان مادّيا أو كان له علاقة بالمادّة كان متولّدا عن غيره فيصير تقدير الكلام هكذا : لم يلد لأنّه لم يتولّد .
فإن قيل فأىّ إشارة في هذه السّورة تدلّ على أنّه تعالى غير متولّد . قيل لأنّه لمّا لم يكن له ماهيّة واعتبار سوى أنّه هو الذي ابتدأ في أوّل السورة بذكره وكانت هويّته بذاته وجب أن لا يكون متولّدا من غيره وإلّا لكانت هويّته مستفادة من غيره . [ فلا يكون هو هو لذاته ] * أقول من البيّن أنّ التولّد من الغير قد يكون بطريق التوالد كما في تولّد زيد عن أبيه وقد لا يكون بهذا الطريق كما في تولّد بعض الحيوانات عن الموادّ المتعفنة وفي كلتا الصورتين يحتاج المتولّد إلى المادّة فقوله لم يلد نفى لجميع طرق التولد بل نفى للمادّة وقوله لم يولد نفى لأن يكون هو مادّة لغيره حتى يتولّد منه غيره فعلى هذا يكون قوله لم يولد دليلا على قوله لم يلد كما قال لم يلد لأنّه لم يتولّد وهذا مبنى على أنّ ما لا يتولّد عن غيره لم يتولد عنه فإنّ ما ليس مادّيا لا يتولّد منه شيء ويظهر هناك معنى آخر وهو أنّ قوله لم يلد نفى لكونه والدا لغيره كما هو الظّاهر ويكون الغرض منه نفى المثل مطلقا فإنّ مثل الشيء إمّا أن يكون والدا له أو ولدا له أو كفوا له في الماهيّة بدون علاقة التولّد فقوله لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد نفى لجميع الأمثال .
فإن قلت نفى الكفؤ يكفى في نفى الأمثال مطلقا لأنّ المماثل في الماهيّة اعمّ من الوالد والولد وغيرهما فنفى الكفؤ كاف في هذا الغرض .
قلت المقصود تفصيل تنزيهه تعالى عن جميع وجوه الشركة في الماهيّة
الرسائل المختارة — صفحة 50
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٥٠