تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل التوحيدية — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وهؤلاء لم يستطيعوا أن يجمعوا بين المعارف الإلهية الحقيقية وبين ما تقتضيه الأسباب الطبيعية المادية مع أن مصحح التكليف عند العقلاء من البشر هو وجود الاختيار والقدرة الفاعلية التي لا ريب فيه عندهم للفرق الضروري بين حركة الصحيح وحركة المرتعش وبين سكون الصحيح الأعضاء وسكون الفالح ومع ذلك لا ريب عندهم أن جميع الأسباب المتوقفة عليها وجود الفعل إذا تمّت كان الفعل ضروري الوقوع . وقد تبين فيما مرّ أن النظام نظامان نظام ثابت ذو أجزاء ثابتة لا يتطرق إليها التغير بوجه ما ونظام مادي متقوم بالإمكان والقوة والاستعداد متغير متبدل غير ثابت والإنسان من جملة أجزائه ونسبته إلى أفعاله بصحة الفعل والترك وهو الاختيار يختارها بالحسن والقبح والغايات والأغراض وتحتاج أفعاله في تحققها إلى ذلك وهو ظاهر كما أن المواد باستعدادها يمكن أن تصير إلى هذه الغاية أو إلى تلك الغاية وإنما يتعين فيها ولها إحدى الغايتين بواسطة اكتناف نوع الاستعدادات الملائمة لتلك الغاية وإبطالها استعدادات الغاية الأخرى وربما تم أحد الجانبين فزاحمه جانب آخر بتضاده وأبطله بقوته ولا فرق بين الإنسان وبينها إلّا بالعلم فاختيار الإنسان لأحد الجانبين بعد تمام سائر الأسباب بالعلم وتعين أحد الجانبين فيها بغيره من المقتضيات المعينة والعلم من حيث هو ذو هذا الأثر أحد تلك المقتضيات وأي فرق بين مبدأ الإحراق الذي في النار وبين مبدأ الفعل الذي في الإنسان وهو الإرادة التامة وأي فرق بين الحطب الذي يحرق بعد اشتعاله بالنار مثلا وبين الإنسان الذي يضحك بالإرادة ومع ذلك لا يبطل نسبة الإنسان إلى الفعل والترك بإمكانهما له وصحتهما وهو الملاك في صحة التكليف وترتب الجزاء بالثواب