عموم عدله سبحانه وشمول رحمته فإرسال هذه النقمات وتلبيسهم بأقسام ملابس الشقاء معلل بأنفسهم وأما إبليس وإغوائه للأشقياء فليس ذلك لتسلطه الذاتي عليهم بل لتسليطهم إيّاه على أنفسهم باتباعهم إيّاه لغيهم في ذاتهم قال تعالى حكاية عن إبليس :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
وقال تعالى أيضا حكاية عنه ( لعنه الله ) فيما يخاطبهم به يوم القيامة :
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
الآية .
فحمل إبليس أيضا الذنب عليهم أنفسهم وعلل العذاب بالظلم دون الاتباع واستجابة الدعوة وكل ذلك إحالة إلى الذات وحكى سبحانه الاعتراف بذلك منهم أنفسهم وهم معذبون :
رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
وقال تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
الآية ، فذات سعيدة وذات شقيقة وحيث رجع الشقاء إلى الذات وهي وإن وقعت أفعالها في خارج عنها وانفعالاتها عن الخارج عنها لكن من المعلوم إن أفعالها وانفعالاتها وخاصة ما يرجع إلى باطنها منها لا يخرج عن نفسها ودائرة ذاتها وقد قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
وقال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
وقال تعالى :
وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ
وقال تعالى :
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
الآية .