الاستعداد الشديد غير أن للخلق حدّا يستحيل معه زواله هذا .
فالنفس أول ما تحدث بحركة البدن الجوهرية حيث يأخذ الخيال في الفعل وهي حينئذ متلونة بلون البدن تلونا قويا إلّا أنه غير بالغ بعد مرتبة اللزوم ، ثم تخلى هي وما بين يديها ومن نوع التربية والعلوم والاعتقادات والحوادث المرتبطة بها المتماسة معها فلا تزال تسلك سبيلا بعد سبيل وتتراكم عليها الأحوال والاعتقادات وينتج بعضها بعضا حتى ترسخ فيها رسوخا غير مفارق وهذه صورة نفسانية تفرق بها نفس عن نفس وهو تنوع النفس فإن كانت صورة سعادة فتقع في البرزخ في سبيل السعادة وإن كانت صورة شقاوة ففي سبيل الشقاوة وإن كان تجردها تجردا برزخيا وقفت دونه وإن تجاوزته تجاوزته هذا .
بقي هنا شيء وهو أن كمال كل معلول وغاية وجوده هو وجود علّته ومن المستحيل أن يتكامل معلول فيتجاوز كمال علة وجوده والمرتبة التي فيها وجودها ومن المستحيل أن يتكامل معلول ويطوى جميع مراتب كماله الوجودي فلا ينتهي إلى مرتبة علّته أي لا يتصل إلى حد بعده علّته والإلزام خلاف الفرض ومن المستحيل أيضا أن يلغى غاية علّة من العلل الطولية المجردة من فعلها إذ المفروض أنّها مجردة ثابتة غير متغيرة ومعلولاتها إنما صدرت عنها بهذه الحيثية وهي غير متغيرة ففرض تخلف غاياتها أو غايات معاليلها محال .
ومن هذه المقدمات يستنتج أن الشيء في عوده إنما يستقر في مرتبة تعينت منها ذاته وفوقه علته فكل شيء يعود إلى ما بدأ منه غير أن بين البدء والعود فرقا من حيث أن العود ينشعب إلى دار سعادة ودار شقاوة والبدء لم ينشعب إليها بل هي دار سعادة فحسب لكن يجب أن يعلم أن السعادة في البدء إنما هي السعادة العامة دون
الرسائل التوحيدية — صفحة 72
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٧٢