تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل التوحيدية — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
ومن هنا يتبين أن الشفاعة نوع تصرف في الأعمال بتبديلها ولذلك خصّه سبحانه بنفسه في قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ
. وهذا يؤيد ما ذكرناه من مقام الشافع أن الشفاعة لا تتم إلّا بكمال القرب منه سبحانه ويظهر ذلك أيضا من قوله :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
والتفزيع عن القلب كشف الفزع وهو الدهشة والصعقة التي توجب غيبوبته عن نفسه وقوله سبحانه :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
إذا ضمّ إلى الآية الأولى والسياقان واحد أفادت أن تمليكه تعالى الشفاعة لغيره يتحقق بعد الإذن أي بعد الإذن يتحقق كون فعل الشافع في شفاعته وقوله فعل الله سبحانه وأصرح منه قوله
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
فالإذن هو الموجب لهذا الذي نسميه كمال القرب وهو الجاعل فعل الشافع فعله سبحانه وقد مرّ تفسير الإذن بالرضا وقد قال سبحانه أيضا :
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ
فبيّن به أن الذي نسميه شفاعة قائم بالرحمة فهو رحمته سبحانه كما يستشم أيضا من قوله سبحانه
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
. ثم إنّه سبحانه قال لرسوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
وهو كلام مطلق يعطي أن له ( صلّى اللّه عليه وآله ) من الله سبحانه مقاما غير مقام الشفاعة أرفع منها وهو مقام الإذن الذي يحصل بعده وبسببه الشفاعة فهو ( صلّى اللّه عليه وآله ) شفيع الشفعاء كما مرّ أنّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) شهيد الشهداء .