الله سبحانه فالشفاعة توجب لحوق المذنبين من المؤمنين فقط بالصالحين منهم فمثل الشفاعة كمثل البدن إذا اعتراه مرض أو قرحة مخطورة فإن المزاج إذا كان قويّا والطبيعة البدنية سالمة أصلحت الصحة ودفعت المرض عنه وإلّا احتيج إلى علاج بالضد ودواء يبطل فعل المرض وينصر الطبيعة في إعادتها صحة البدن إليه وتبديلها المواد الفاسدة المجتمعة فيه إلى الصالحة الملائمة له فالفاعل للصحة على كل حال هي الطبيعة غير أنّها مستقلة في فعلها حينا ما ومحتاجة إلى ناصر ينصرها حينا ما ولذلك فإنّه سبحانه يكرر القول بأنّ لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت وأصرح من ذلك محلّا قوله سبحانه :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
فبيّن أولا انّه سيلحق ذريتهم بآبائهم في درجاتهم لا في أصل الرحمة لقوله :
وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
ثم أردفه بقوله تعالى :
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
فعدّ هذا اللحوق من الكسب مع إنّ أعمالهم دون ذلك فعلمنا به أنّ الإيمان يوجب اتصالا ما من الداني بالعالي وإذا حجبهما من الاستواء في الدرجات حاجب مانع من القصور أصلحه الايمان وارتفعا جميعا إلى درجة واحدة وهذه حال الشفاعة توجب لحوق المشفوع بالشافع ثم اصلاح أعماله السيئة وجعلها حسنة بذلك .
وفي قوله :
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
إشارة إلى ذلك إذ لولا أصل محفوظ بين المبدل والمبدل منه كان التبديل إعداما للمبدل وإيجادا للمبدل منه .
واعلم أن المغفرة في ذلك كالشفاعة وسيأتي في فصلي الأعراف والمغفرة ما يتبين به هذا المعنى فضل تبين .