فلا يتم الحجة على منكري الحشر بقوله :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
إذ خلق مثلهم على ذلك ليس إعادة لهم بالضرورة بل المراد بخلق مثلهم وتبديل أمثالهم التبدلات فيهم بحيث لا تخرج عن أنفسهم كما أنّه سبحانه في مثل هذا النظم بدل المثل بالعين فقال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
وقال سبحانه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فالمراد بمثل الشيء نفس الشيء وهو نوع من التلطف في الكلام .
فهذا كلّه يتضمن تبدلات الأبدان وورودها طورا بعد طور وركوبها طبقا عن طبق حتى تنتهي إلى الساعة فتلحق بالأنفس قال سبحانه :
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
وقال :
أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ
فعبّر بكلمة ما ثم قال :
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
وهذا هو لحوق الأبدان بالأرواح كما ترى وللأرواح مع ذلك سيرا في مسيرها وحركة في طريقها قال سبحانه
مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
فبين أن الروح كالملائكة تعرج إليه سبحانه في معارجه والمعراج السلم ومثله قوله سبحانه :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وقد جمع سبحانه أهل السعادة والشقاء جميعا في قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
وقوله :
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
وقال سبحانه في أهل الجنة :
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
وقال في أهل النار :
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
إذ قد أخبر سبحانه أن لا وقود لجهنم غير أهلها فخبوها نفاذ من فيها بالاحراق .