تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
ولكن لم يمتزج حبه بقلبه ، أو امتزج بقلبه حب الدين ولكن ضاقت سعة عقله عن تصريفه تصريف الأنبياء أنفسهم ، أو الخيرة من تبعتهم ، وإلا فقل لنا أي نبي لم يأت أمته بالخير الجم ، والفيض الأعم ، ولم يكن دينه وافيا بجميع ما كانت تمس إليه حاجتها ، في أفرادها وجملتها ؟ أظن أنك لا تخالفنا في أن الجمهور الأعظم من الناس - بل الكل إلا قليلا - لا يفهمون فلسفة أفلاطون ولا يقيسون أفكارهم وآراءهم بمنطق أرسطو ، بل لو عرض أقرب المعقولات إلى العقول عليهم بأوضح عبارة يمكن أن يأتي بها معبر لما أدركوا منها إلا خيالا لا أثر له في تقويم النفس ، ولا في إصلاح العمل . فاعتبر هذه الطبقات في حالها التي لا تفارقها من تلاعب الشهوات بها . ثم انصب نفسك واعظا بينها في تخفيف بلاء ساقه النزاع إليها ، فأي الطرق أقرب إليك في مهاجمة شهواتها ، وردها إلى الاعتدال في رغائبها ؟ من البديهي أنك لا تجد الطريق الأقرب في بيان 110 مضار الإسراف في الرغب ، وفوائد القصد في الطلب ، وما ينحو نحو ذلك مما لا يصل إليه أرباب العقول السامية إلا بطويل النظر ، وإنما تجد أقصد الطرق وأقومها أن تأتى إليه من نافذة الوجدان المطلة على سر القهر المحيط به من كل جانب ، فتذكره بقدرة اللّه الّذي وهبه ما وهب ، الغالب عليه في أدنى شؤونه إليه ، المحيط بما في نفسه ، الآخذ بأزمة هممه وتسوق إليه من الأمثال في ذلك ما يقرب إلى فهمه ، ثم تروى له ما جاء الدين المعتقد به من مواعظ وعبر ، ومن السلف في ذلك الدين ما فيه أسوة حسنة ، وتنعش روحه بذكر رضا اللّه عنه إذا استقام ، وسخطه عليه إذا تقحم ، عند ذلك يخشع منه القلب ، وتدمع العين ، ويستخذى الغضب ، وتخمد الشهوة . والسامع لم يفهم من ذلك كله إلا أنه يرضى اللّه وأولياءه إذا أطاع ويسخطهم إذا عصى . ذلك هو المشهود من حال البشر غابرهم وحاضرهم ومنكره يسم نفسه أنه ليس منهم . كم سمعنا أن عيونا بكت وزفرات صعدت وقلوبا خشعت لواعظ الدين . لكن هل سمعت بمثل ذلك بين يدي نصاح الأدب وزعماء السياسة ؟ متى سمعنا أن طبقة من طبقات الناس يغلب الخير على أعمالهم ؛ لما فيه من المنفعة لعامتهم أو
رسالة التوحيد — صفحة 90 | الشيخ محمد عبده