يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية ، إلى طلب الرغائب السامية ، آخذين في ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير ، حسبما أمرهم اللّه جل شأنه .
يفصلون في جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا اللّه عنهم ، وما يعرضهم لسخطه عليهم ، ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة وما أعد اللّه فيها من الثواب وحسن العقبى لمن وقف عند حدوده ، وأخذ بأوامره وتجنب الوقوع في محظوراته .
يعلمونهم من أنباء الغيب ما أذن الله لعباده في العلم به
107
مما لو صعب على العقل اكتناهه لم يشق عليه الاعتراف بوجوده .
بهذا تطمئن النفوس ، وتثلج الصدور ويعتصم المرزوء بالصبر ، انتظارا لجزيل الأجر ، أو إرضاء لمن بيده الأمر ، وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع الإنسانى لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم في حله إلى اليوم
108
. ليس من وظائف الرسل ما هو عمل المدرسين ومعلمي الصناعات ، فليس مما جاءوا له تعليم التاريخ ، ولا تفصيل ما يحويه عالم الكواكب ولا بيان ما اختلف من حركاتها ، ولا ما استكن من طبقات الأرض ، ولا مقادير الطول فيها والعرض ، ولا ما تحتاج إليه النباتات في نموها ، ولا ما تفتقر إليه الحيوانات في بقاء أشخاصها وأنواعها ، وغير ذلك مما وضعت له تلك العلوم وتسابقت في الوصول إلى دقائقه الفهوم . فإن ذلك كله من وسائل الكسب وتحصيل طرق الراحة . هدى اللّه إليه البشر بما أودع فيهم من الإدراك . يزيد من سعادة المحصلين . ويقضى فيه بالنكد على المقصرين . ولكن كانت سنة اللّه في ذلك أن يتبع طريقة التدرج في الكمال . وقد جاءت شرائع الأنبياء بما يحمل على الإجمال بالسعي فيه وما يكفل التزامه الوصول إلى أعد اللّه له الفطر الإنسانية من مراتب الارتقاء .
وأما ما ورد في كلام الأنبياء من الإشارة إلى شيء مما ذكرنا في أحوال الأفلاك أو هيئة الأرض فإنما يقصد منه النظر إلى ما فيه من الدلالة على حكمة مبدعة ، أو توجيه الفكر إلى الغوص لإدراك أسراره وبدائعه . ولغتهم عليهم
رسالة التوحيد — صفحة 88
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٨٨