أوجب الدليل أن يتصف به ، وباستواء نسبة الكائنات إليه في أنها مخلوقة له وصنع قدرته ، وإنما تفاوتها فيما اختص به بعضها من الكمال ، وشرطه أن لا ينال شيء من تلك الأعمال السابقة أحدا من الناس بشر في نفسه أو عرضه أو ماله بغير حق يقتضيه نظام عامة الأمة على ما حدد في شريعتها .
يرشدون العقل إلى معرفة اللّه وما يجب أن يعرف من صفاته ، ويبينون الحد الّذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان
100
على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه
101
ولا يرفع ثقته بما آتاه اللّه من القوة ، يجمعون كلمة الخلق على إله واحد لا فرق معه ، ويخلون السبيل بينهم وبينه وحده
102
وينهضون نفوسهم إلى التعلق به في جميع الأعمال والمعاملات ، ويذكرونهم بعظمته بفرض ضروب من العبادات فيما اختلف من الأوقات ، تذكرة لمن ينسى ، وتزكية مستمرة لمن يخشى ، تقوى ما ضعف منهم ، وتزيد المستيقن يقينا .
يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم ، وتنازعته مصالحهم ولذاتهم ، فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر اللّه الصادع ، ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة ، ولا تفوت به المنافع الخاصة
103
. يعودون بالناس إلى الألفة ، ويكشفون لهم سر المحبة ، ويلفتونهم إلى أن فيها انتظام شمل الجماعة ، ويفرضون عليهم مجاهدة أنفسهم ليستوطنوها
104
قلوبهم ، ويشعروها أفئدتهم ، يعلمونهم لذلك أن يرعى كل حق الآخر وإن كان لا يغفل حقه ، وأن لا يتجاوز في الطلب حده ، وأن يعين قويهم ضعيفهم ويمد غنيهم فقيرهم . ويهدى راشدهم ضالهم . ويعلم عالمهم جاهلهم .
يضعون لهم بأمر اللّه حدودا عامة يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم كاحترام الدماء البشرية إلا بحق مع بيان الحق الّذي تهدر له ، وحظر تناول شيء مما كسبه الغير إلا بحق مع بيان الحق الّذي يبيح تناوله ، واحترام الأعراض ، مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع ، ويشرعون لهم مع ذلك أن يقوموا أنفسهم بالملكات الفاضلة ، كالصدق ، والأمانة ، والوفاء بالعقود ، والمحافظة على العهود
105
، والرحمة بالضعفاء ، والإقدام على نصيحة الأقوياء ، والاعتراف لكل مخلوق بحقه استثناء
106
.
رسالة التوحيد — صفحة 87
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٨٧