تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
خاصتهم . وينفى الشر من بينهم لما يجلبه عليهم من مضار ومهالك ؟ هذا أمر لم يعهد في سير البشر ولا ينطبق على فطرهم . وإنما قوام الملكات هو العقائد والتقاليد 111 ولا قيام للأمرين إلا بالدين . فعامل الدين هو أقوى العوامل من أخلاق العامة بل والخاصة : وسلطانه على نفوسهم أعلى من سلطان العقل الّذي هو خاصة نوعهم . قلنا إن منزلة النبوات من الاجتماع هي منزلة العقل من الشخص أو منزلة العلم المنصوب على الطريق المسلوك ، بل نصعد إلى ما فوق ذلك ونقول : منزلة السمع والبصر ، أليس من وظيفة الباصرة التمييز بين الحسن والقبيح من المناظر ، وبين الطريق السهلة السلوك والمعابر الوعرة ، ومع ذلك فقد يسئ البصير استعمال بصره فيتردى في هاوية يهلك فيها وعيناه سليمتان تلمعان في وجهه - يقع ذلك لطيش أو إهمال أو غفلة أو لجاج وعناد . وقد يقوم من العقل والحس ألف دليل على مضرة شيء . ويعلم ذلك الباغي في رأيه من أهل الشر . ثم يخالف تلك الدلائل الظاهرة ويقتحم المكروه لقضاء شهوة اللجاج أو نحوها . ولكن وقوع هذه الأمثال لا ينقص من قدر الحس أو العقل فيما خلق لأجله - كذلك الرسل - عليهم السلام - أعلام هداية نصبها اللّه على سبيل النجاة ، فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إلى غايات السعادة ، ومنهم من غلط في فهمها أو انحرف عن هديها فانكب في مهاوى الشقاء - فالدين هاد ، والنقص يعرض لمن دعوا إلى الاهتداء به ، ولا يطعن نقصهم في كماله واشتداد حاجتهم إليه : ( 2 : 26
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ )
. ألا إن الدين مستقر السكينة ، وملجأ الطمأنينة ، به يرضى كل بما قسم له ، وبه يدأب كل عامل حتى يبلغ الغاية عن عمله ، وبه تخضع النفوس إلى أحكام السنن العامة في الكون ، وبه ينظر الإنسان إلى من فوقه في العلم والفضيلة وإلى من دونه في المال والجاه ، اتباعا لما وردت به الأوامر الإلهية . الدين أشبه بالبواعث الفطرية الإلهامية منه بالدواعي الاختيارية ، الدين قوة من أعظم قوى البشر ، وإنما قد يعرض عليها من العلل ما يعرض لغيرها من القوى ، وكل ما وجه إلى الدين من مثل الاعتراض الّذي نحن بصدده فتبعته في
رسالة التوحيد — صفحة 91 | الشيخ محمد عبده