الصلاة والسلام في مخاطبة أممهم لا يجوز أن تكون فوق ما يفهمون وإلا ضاعت الحكمة في إرسالهم ولهذا قد يأتي التعبير الّذي سبق إلى العامة بما يحتاج إلى التأويل والتفسير عند الخاصة ، وكذلك ما وجه إلى الخاصة يحتاج إلى الزمان الطويل حتى يفهمه العامة . وهذا القسم أقل ما ورد في كلامهم
109
على كل حال لا يجوز أن يقاوم الدين حاجزا بين الأرواح وبين ما ميزها اللّه به من الاستعداد للعلم بحقائق الكائنات الممكنة بقدر الإمكان ، بل يجب أن يكون الدين باعثا لها على طلب العرفان ، مطالبا لها باحترام البرهان ، فارضا عليها أن تبذل ما تستطيع من الجهد في معرفة ما بين يديها من العوالم ، ولكن مع التزام القصد ، والوقوف في سلامة الاعتقاد عند الحد ، ومن قال غير ذلك فقد جهل الدين ، وجنى عليه جناية لا يغفرها له رب العالمين .
اعتراض مشهور
قال قائل : إن كانت بعثة الرسل حاجة من حاجات البشر ، وكمالا لنظام اجتماعهم ، وطريقا لسعادتهم الدنيوية والأخروية ، فما بالهم لم يزالوا أشقياء ، عن السعادة بعداء ، يتخالفون ولا يتفقون ، يتقاتلون ولا يتناصرون ، يتناهون ولا يتناصفون ، كل يستعد للوثبة ، ولا ينتظر إلا مجىء النوبة ، حشو جلودهم الظلم وملء قلوبهم الطمع ، عد أهل كل ذي دين دينهم حجة لمقارعة من خالفهم فيه ، واتخذوا منه سببا جديدا للعداوة وفوق ما كان من اختلاف المصالح والمنافع ، بل أهل الدين الواحد قد تنشق عصاهم وتختلف مذاهبهم في فهمه ، وتتفاوت عقولهم في عقائدهم ، ويثور بينهم غبار الشر ، وتتشبث أهواؤهم بالفتن ، فيسفكون دماءهم ، ويخربون ديارهم ، إلى أن يغلب قويهم ضعيفهم ، فيستقر الأمر للقوة لا للحق والدين ، فها هو ( ذا ) الدين الّذي تقول إنه جامع الكلمة ورسول المحبة ، كان سببا في الشقاق ومضرما للضغينة ، فما هذه الدعوى وما هذا الآثر ؟ .
نقول في جوابه : نعم ، كل كذلك قد كان ، ولكن بعد زمن الأنبياء وانقضاء عهدهم ووقوع الدين في أيدي من لا يفهمه ، أو يفهمه ويغلو فيه ، أو لا يغلو فيه