أعناق القائمين عليه ، الناصبين أنفسهم منصب الدعوة إليه أو المعروفين بأنهم حفظته ورعاة أحكامه . وما عليهم في إبلاغ القلوب بغيتها منه إلا أن يهتدوا به ، ويرجعوا إلى أصوله الطاهرة الأولى ، ويضعوا عنه أوزار البدع ، فترجع إليه قوته وتظهر للأعمى حكمته .
ربما يقول قائل : إن هذه المقابلة بين العقل والدين تميل إلى رأى القائلين بإهمال العقل بالمرة في قضايا الدين . وبأن أساسه هو التسليم المحض وقطع الطريق على أشعة البصيرة أن تنفذ إلى فهم ما أودعه من معارف وأحكام .
فنقول :
لو كان الأمر كما عساه أن يقال لما كان الدين علما يهتدى به ، وإنما الّذي سبق تقريره هو أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي ، كما لا يستقل الحيوان في إدراك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها ، بل لا بدّ معها من السمع لإدراك المسموعات مثلا
112
، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات ، والعقل هو صاحب السلطان في معرفة تلك الحاسة وتصريفها فيما منحت لأجله ، والإذعان لما تكشف له من معتقدات وحدود أعمال .
كيف ينكر على العقل حقه في ذلك وهو الّذي ينظر في أدلتها ليصل منها إلى معرفتها ، وأنها آتية من قبل اللّه ، وإنما على العقل بعد التصديق برسالة نبي أن يصدق بجميع ما جاء به ، وإن لم يستطع الوصول إلى كنه بعضه والنفوذ إلى حقيقته ، ولا يقضى عليه ذلك بقبول ما هو من باب المحال المؤدى إلى مثل الجمع بين النقيضين أو بين الضدين في موضوع واحد في آن واحد . فإن ذلك مما تتنزه النبوات عن أن تأتى به . فإن جاء ما يوهم ظاهر ذلك في شيء من الوارد فيها وجب على العقل أن يعتقد أن الظاهر غير مراد ، وله الخيار بعد ذلك في التأويل مسترشدا ببقية ما جاء على لسان من ورد المتشابه في كلامه وفي التفويض إلى اللّه في علمه . وفي سلفنا من الناجين من أخذ بالأول ومنهم من أخذ بالثاني .
رسالة التوحيد — صفحة 92
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٩٢