حالفتهم القوة واحتضنتهم السعادة ما كانوا قائمين عليها ، ورزأهم الضعف وغالبهم الشقاء ما انحرفوا عنها وخلطوا فيها ، فهذا وما أقاموه من الأدلة عند التحدي لا يصلح معه في العقل أن يكونوا كاذبين في حديثهم عن اللّه ، ولا في دعواهم أنه كان يوحى إليهم ما شرعوا للناس على أن من لا يعتقد ما يقول ، لا يبقى لمقاله أثر في العقول ، والباطل لا بقاء له إلا في الغفلة عنه كالنبات الخبيث في الأرض الطيبة ينبت بإهمالها وينمو
98
بإغفالها ، فإذا لا مستها عناية يد الزراع غلبه الخصب وذهب به الزكاء ، ولكن تلك الديانات التي جاء بها أولئك الأنبياء قامت في العالم الإنسانى ما شاء اللّه مما قدر لها مقام سائر قواه ، مع كثرة المعارضين وقوة سلطان المغالبين ، فلا يمكن أن يكون أسها الكذب ودعامتها الحيلة . وكلامنا هذا في جوهرها الّذي يلوح دائما في خلال ما ألحق به المبتدعون .
وأما بقية الرسل ممن يجب علينا الإيمان بهم
99
فيكفي في إثبات نبوتهم إثبات رسالة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد أخبرنا برسالتهم وهو الصادق فيما بلغ به ، وسنأتي على الكلام في رسالة نبينا محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - في باب على حدته إن شاء اللّه .
وظيفة الرسل عليهم السلام
تبين مما تقدم في حاجة العالم الإسلامي إلى الرسل أنهم من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص ، وأن بعثهم حاجة من حاجات العقول البشرية قضت رحمة المبدع الحكيم بسدادها ، ونعمة من نعم واهب الوجود ميز بها الإنسان عن بقية الكائنات من جنسه - ولكنها حاجة روحية ، وكل ما لامس الحس منها فالقصد فيه إلى الروح وتطهيرها من دنس الأهواء الضالة أو تقويم ملكاتها أو إيداعها ما فيه سعادتها في الحياتين .
وأما تفصيل طرق المعيشة والحذق في وجوه الكسب ، وتطاول شهوات العقل إلى درك ما أعد للوصول إليه من أسرار العلم ، فذلك مما لا دخل للرسالات فيه إلا من وجه العظة العامة والإرشاد إلى الاعتدال فيه ، وتقرير أن شرط ذلك كله أن لا يحدث ريبا في الاعتقاد بأن للكون إلها واحدا قادرا عالما حكيما متصفا بما