تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١

إمكان الوحي

الكلام في إمكان الوحي يأتي بعد تعريفه لتصوير المعنى الّذي يراد منه . ولنعرف المعنى الحاصل بالمصدر فيفهم معنى المصدر نفسه ، ولا يعنينا ما تثيره الألفاظ في الأذهان . ولنذكر من اللغة ما يناسبه ، يقال : وحيت إليه وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره ، والوحي مصدر من ذلك ، والمكتوب والرسالة ، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه ، ثم غلب فيما يلقى إلى الأنبياء من قبل اللّه . وقيل الوحي : إعلام في خفاء ، ويطلق ويراد به الموحى . وقد عرفوه شرعا أنه إعلام اللّه تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه . أما نحن فنعرفه على شرطنا بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل اللّه بوساطة أو بغير وساطة ، والأول بصوت يتمثل لسمعه 93 أو بغير صوت ، ويفرق بينه وبين الإلهام ، بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى ، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور . إما إمكان حصول هذا النوع من العرفان ( الوحي ) وانكشاف ما غاب من مصالح البشر عن عامتهم لمن يختصه اللّه بذلك ، وسهولة فهمه عند العقل ، فلا أراه مما يصعب إدراكه إلا على من لا يريد أن يدرك ، ويجب أن يرغم نفسه الفهامة على أن لا تفهم . نعم يوجد في كل أمة وفي كل زمان أناس يقذف بهم الطيش والنقص في العلم إلى ما وراء سواحل اليقين ، فيسقطون في غمرات من الشك في كل ما لم يقع تحت حواسهم الخمس ، بل قد يدركهم الريب فيما هو من متناولها ، كما سبقت الإشارة إليه ، فكأنهم بسقطتهم هذه انحطوا إلى ما هو أدنى من مراتب أنواع أخرى من الحيوان ، فينسون العقل وشؤونه ، وسره رسالة التوحيد -