غيره أو ينقص من أفراده
92
، وكما جاد على كل شخص بالعقل المصرف للحواس لينظر في طلب اللقمة وستر العورة والتوقي من الحر والبرد ، جاد على الجملة بما هو أمس بالحاجة في البقاء ، وآثر في الوقاية من غوائل الشقاء ، وأحفظ لنظام الاجتماع الّذي هو عماد كونه بالإجماع - منّ عليه بالنائب الحقيقي عن المحبة بل الراجع بها إلى النفوس التي أقفرت منها ، لم يخالف سنته فيه من بناء كونه على قاعدة التعليم والإرشاد ، غير أنه أتاه مع ذلك من أضعف الجهات فيه وهي جهة الخضوع والاستكانة ، فأقام له من بين أفراده مرشدين هادين ، وميزهم من بينها بخصائص في أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم وأيد ذلك زيادة في الإقناع بآيات باهرات تملك النفوس ، وتأخذ الطريق على سواق العقول ، فيستخذى الطامح ، ويذل الجامح ، ويصد بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده ، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه .
يطرقون القلوب بقوارع من أمر اللّه ، ويدهشون المدارك ببواهر من آياته ، فيحيطون العقول بما لا مندوحة عن الإذعان له ، ويستوى في الركون لما يجيئون به المالك والمملوك ، والسلطان والصعلوك ، والعاقل والجاهل ، والمفضول والفاضل ، فيكون الإذعان لهم أشبه بالاضطرارى منه بالاختيارى النظري .
يعلمونهم ما شاء اللّه أن يصلح به معاشهم ومعادهم ، وما أراد أن يعلموه من شؤون ذاته وكمال صفاته - وأولئك هم الأنبياء المرسلون - فبعثة الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - من متممات كون الإنسان ومن أهم حاجاته في بقائه ومنزلتها من النوع منزلة العقل من الشخص نعمة أتمها اللّه ( لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ) وسنتكلم عن وظيفتهم بنوع التفصيل فيما بعده .
رسالة التوحيد — صفحة 79
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٧٩