ومكنونه ، ويجدون في ذلك لذة الإطلاق عن قيود الأوامر والنواهي ، بل عن محابس الحشمة التي تضمهم إلى التزام ما يليق ، وتحجزهم عن مقارفة ما لا يليق ، كما هو حال غير الإنسان من الحيوان ، فإذا عرض عليهم شيء من الكلام في النبوات والأديان ، وهمّ من أنفسهم هام بالإصغاء ، دافعوه بما أوتوا من الاختيار في النظر ، وانصرفوا عنه ، وجعلوا أصابعهم في آذانهم ، حذر أن يخالط الدليل أذهانهم ، فيلزمهم العقيدة ، وتتبعها الشريعة ، فيحرموا لذة ما ذاقوا وما يحبون أن يتذوّقوا ، وهو مرض في الأنفس والقلوب يستشفى منه بالعلم إن شاء الله .
قلت : أي استحالة في الوحي وأن ينكشف لفلان ما لا ينكشف لغيره من غير فكر ولا ترتيب مقدمات ، مع العلم أن ذلك من قبل واهب الفكر ، ومانح النظر ، متى حفت العناية من ميزته هذه النعمة .
مما شهدت به البديهة أن درجات العقول متفاوتة يعلو بعضها بعضا ، وأن الأدنى منها لا يدرك ما عليه الأعلى إلا على وجه من الإجمال ، وأن ذلك ليس لتفاوت المراتب في التعليم فقط ، بل لا بدّ معه من التفاوت في الفطر التي لا مدخل فيها لاختيار الإنسان وكسبه ، ولا شبهة في أن من النظريات عند بعض العقلاء ما هو بديهي عند من هو أرقى منه . ولا تزال المراتب ترتقى في ذلك إلى ما لا يحصره العدد ، وأن من أرباب الهمم وكبار النفوس ما يرى البعيد عن صغارها
94
قريبا فيسعى إليه ثم يدركه ، والناس دونه ينكرون بدايته ، ويعجبون لنهايته ، ثم يألفون ما صار إليه كأنه من المعروف الّذي لا ينازع ، والظاهر الّذي لا يجاحد ، فإذا أنكره منكر ثاروا عليه ثورتهم في بادئ الأمر على من دعاهم إليه ، ولا يزال هذا الصنف عن الناس على قلته ظاهرا في كل أمة إلى اليوم .
فإذا سلم - ولا محيص عن التسليم - ما أسلفنا من المقدمات ، فمن ضعف العقل والنكول عن النتيجة اللازمة لمقدماتها عند الوصول إليها ، أن لا يسلم بأن من النفوس البشرية ما يكون لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به من محض الفيض الإلهي لأن تتصل بالأفق الأعلى ، وتنتهى من الإنسانية إلى الذروة العليا ، وتشهد من أمر اللّه شهود العيان ، ما لم يصل غيرها إلى تعقله أو تحسسه
رسالة التوحيد — صفحة 82
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٨٢