تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
القلوب تشفى بدوائهم ، وأن ضعف العزائم والعقول يتبدل بالقوة في أممهم التي تأخذ بمقالهم ، ومن المنكر في البديهة أن يصدر الصحيح من معتل ، ويستقيم النظام بمختل . أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء . ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء ، ولكنهم رضوا أن يكونوا لهم أولياء ، وعلى شرعهم ودعوتهم أمناء ، فكثير منهم نال حظه من الأنس ، بما يقارب تلك الحال في النوع أو الجنس : لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب ، ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع ، فهم لذلك لا يستبعدون شيئا مما يحدث به عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم . ومن ذاق عرف ، ومن حرم انحراف . ودليل صحة ما يتحدثون به وعنه ظهور الأثر الصالح منهم ، وسلامة أعمالهم مما يخالف شرائع أنبيائهم ، وطهارة فطرهم مما ينكره العقل الصحيح أو يمجه الذوق السليم ، واندفاعهم باعث من الحق الناطق في سرائرهم ، المتلألئ في بصائرهم ، إلى دعوة من يحف بهم إلى ما فيه خير العامة ، وترويح قلوب الخاصة ، ولا يخلو العالم من متشبهين بهم ، ولكن ما أسرع ما ينكشف حالهم ويسوء مآلهم ، ومآل من غرروا به . ولا يكون لهم إلا سوء الأثر في تضليل العقول وفساد الأخلاق ، وانحطاط شأن القوم الذين رزئوا بهم ، إلا أن يتداركهم اللّه بلطفه ، فتكون كلمتهم الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . فلم يبق بين المنكرين لأحوال الأنبياء ومشاهدهم وبين الإقرار بإمكان ما أنبئوا به وبوقوعه إلا حجاب من العادة وكثيرا ما حجب العقول حتى عن إدراك أمور معتادة .