لكن وكلما رق الوجدان ولطفت الأذهان ونفذت البصائر ، ارتفع الفكر وجلت النتائج ، فوصل من بلغ به علمه بعض المنازل من ذلك إلى معرفة هذه القدرة الباهرة ! واهتدى إلى أنها قدرة واجب الوجود ، غير أن من أسرار الجبروت ما غمض عليه فلم يسلم من الخبط فيه ، ثم لم يكن له من الميزة الفائقة في قومه ما يحملهم على الاهتداء بهداه ، فبقى الخلاف ذائعا والرشد ضائعا .
اتفق الناس في الإذعان لما فاق قدرهم وعلا متناول استطاعاتهم ، لكنهم اختلفوا في فهم ما تلجئهم الفطرة إلى الإذعان له اختلافا كان أشد أثرا في التقاطع بينهم وإثارة أعاصير الشقاق فيهم ، من اختلافهم في فهم النافع والضار لغلبة الشهوات عليهم .
إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش في جملة ولم يمنح مع تلك الفطرة ما منحه النحل وبعض أفراد النمل مثلا من الإلهام الهادي إلى ما يلزم لذلك ، وإنما ترك إلى فكره يتصرف به على نحو ما سبق ، كما فطر على الشعور بقاهر تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته ، ولم يفض عليه مع هذا الشعور عرفانه
90
بذات ذلك القاهر ولا صفاته ، وإنما ألقى به في مطارح النظر ، تحمله الأفكار في مجاريها وترمى به إلى حيث يدرى ولا يدرى ، وفي كل ذلك الويل على جماعته ، والخطر على وجوده فهل منى هذا النوع بالنقص ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف الحيوانات وأحطها في منازل الوجود ؟ نعم ، هو كذلك لولا ما آتاه الصانع الحكيم من ناحية ضعفه .
الإنسان عجيب في شأنه : يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت
91
، ويسامى بقوته ما يعظم عن أن يسامى من قوى الكون الأعظم ، ثم يصغر ويتضاءل وينحط إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع متى عرض له أمر ما لم يعرف سببه ولم يدرك منشأه ، ذلك لسر عرفه المستبصرون ، واستشعرته نفوس الناس أجمعين .
من ذلك الضعف قيد إلى هداه ، ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى شرف سعادته ، أكمل الواهب الجواد لجملته ما اقتضت حكمته في تخصيص نوعه بما يميزه عن
رسالة التوحيد — صفحة 78
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٧٨