تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
قدر له أن تكون له لذائذ روحانية ، وكان من أعظم همه أن يشعر بالكرامة له في نفس غيره ممن تجمعه معهم جامعة ما حسبما يمتد إليه نظره ، وقد بلغت هذه الشهوة حدا من الأنفس كادت تتغلب على جميع الشهوات ، وأخذت لذة الوصول إليها من الأرواح مكانا كاد لا تصعد إليه 88 سائر اللذات ، وهي من أفضل العوامل في إحراز الفضائل ، وتمكين الصلات بين الأفراد والأمم ، لو صرفت فيما سيقت لأجله ولكن انحرف بها السبيل كما انحرف بغيرها للأسباب التي أشرنا إليها من التفاوت في مراتب الإدراك والهمة والعزيمة ، حتى خيل لكثير من العقلاء أن يسعى إلى إعلاء منزلته في القلوب بإخافة الآمن 89 وإزعاج الساكن ، وإشعار القلوب رهبة المخافة لا تهيب الحرمة . هل يمكن مع هذا أن يستقيم أمر جماعة بنى نظامهم وعلق بقاؤهم في الحياة على تعاونهم ورفد بعضهم بعضا في الأعمال ؟ أو لا تكون هذه الأفاعيل السابق ذكرها سببا في تفانيهم ؟ لا ريب أن البقاء على تلك الأحوال من ضروب المحال ، فلا بد للنوع الإنسانى في حفظ بقائه من المحبة أو ما ينوب منابها . لجأ بعض أهل البصيرة في أزمنة مختلفة إلى العدل ، وظنوا كما ظن بعض العارفين ، ونطق به في كلمة جليلة : « إن العدل نائب المحبة » نعم لا يخلو القول من حكمة ، ولكن من الّذي يضع قواعد العدل ويحمل الكافة على رعايتها ؟ قيل ذلك هو العقل . فكما كان الفكر والذكر والخيال ينابيع الشقاء ، كذلك تكون وسائل السعادة وفيها مستقر السكينة ، وقد رأينا أن اعتدال الفكر وسعة العلم وقوة العقل وأصالة الحكم ، تذهب بكثير من الناس إلى ما وراء حجب الشهوات ، وتعلو بهم فوق ما تخيله المخاوف فيعرفون لكل حق حرمته ، ويميزون بين لذة ما يفنى ومنفعة ما يبقى . وقد جاء منهم أفراد في كل أمة وضعوا أصول الفضيلة وكشفوا وجوه الرذيلة ، وقسموا أعمال الإنسان إلى ما تحضر لذته وتسوء عاقبته ، وهو ما يجب اجتنابه وإلى ما قد يشق احتماله ولكن تسر مغبته وهو ما يجب الأخذ به ومنهم من أنفق في الدعوة إلى رأيه نفسه وماله وقضى شهيد إخلاصه في دعوة قومه إلى ما يحفظ نظامهم فهؤلاء العقلاء هم الذين يضعون قواعد العدل وعلى أهل السلطان أن يحملوا الكافة على رعايتها وبذلك يستقيم أمر الناس .
رسالة التوحيد — صفحة 76 | الشيخ محمد عبده