تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
هذا قول لا يجافى الحق ظاهره ، ولكن هل سمع في سيرة الإنسان وهل ينطبق على سنته أن يخضع كافة أفراده أو الغالب منهم لرأى العاقل لمجرد أنه الصواب ؟ هل كفى في إقناع جماعة منه كشعب أو أمة قول عاقلهم : إنهم مخطئون ، وإن الصواب فيما يدعوهم إليه ؟ وإن أقام على ذلك من الأدلة ما هو أوضح من الضياء ، وأجلى من ضرورة المحبة للبقاء ؟ كلا ! لم يعرف ذلك في تاريخ الإنسان ولا هو مما ينطبق على سنته ، فقد تقدم لنا أن مهب الشقاء هو تفاوت الناس في الإدراك ، وهم مع ذلك يدعون المساواة في العقل والتقارب في الأصول ، ولا يعرف جمهورهم من حال الفاضل ، إلا كما يعرف من أمر الجاهل ، ومن لم يكن في مرتبتك من العقل ، لم يذق مذاقك من الفضل ، فمجرد البيان العقلي لا يدفع نزاعا ولا يرد طمأنينة ، وقد يكون القائم على ما وضع من شريعة العقل ممن يزعم أنه أرفع من واضعها ، فيذهب بالناس مذهب شهواته ، فتذهب حرمتها ، ويتهدم بناؤها ، ويفقد ما قصد بوضعها . أضف إلى ما سبق من نزعات الفكر ونزعات الأهواء ، شعورا هو ألصق بالغريزة البشرية وأشد لزوما لها : كان إنسان مهما علا فكره وقوى عقله ، أو ضعفت فطنته وانحطت فطرته ، يجد من نفسه أنه مغلوب لقوة أرفع من قوته ، وقوة ما أنس منه الغلبة عليه مما حوله ، وأنه محكوم بإرادة تصرفه وتصرف ما هو فيه من العوالم في وجوه ربما لا تعرفها معرفة العارفين ، ولا تتطرق إليها إرادة المختارين . تشعر كل نفس أنها مسوقة لمعرفة تلك القوة العظمى ، فتطلبها من حسها تارة ومن عقلها أخرى ، ولا سبيل لها إلا الطريق التي حددت لنوعها وهي طريق النظر ، فذهب كل في طلبها وراء رائد الفكر ، فمنهم من تأولها ببعض الحيوانات لكثرة نفعها أو شدة ضررها ، ومنهم من تمثلت له في بعض الكواكب لظهور أثرها ، ومنهم من حجبته الأشجار والأحجار لاعتبارات له فيها ، ومنهم من تبدت له آثار قوى مختلفة في أنواع متفرقة تتماثل في أفراد كل نوع وتتخالف بتخالف الأنواع فجعل لكل نوع إلها .