تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
من اعتقد بالكتاب العزيز وبما فيه من الشرائع العملية ، وعسر عليه فهم أخبار الغيب على ما هي عليه في ظاهر القول ، وذهب بعقله إلى تأويلها بحقائق يقوم له الدليل عليها مع الاعتقاد بحياة بعد الموت وثواب وعقاب على الأعمال والعقائد ، بحيث لا ينقص تأويله شيئا من قيمة الوعد والوعيد ، ولا ينقص شيئا من بناء الشريعة في التكليف - كان مؤمنا حقا ، وإن كان لا يصح اتخاذه قدوة في تأويله 171 ، فإن الشرائع الإلهية قد نظر فيها إلى ما تبلغه طاقة العامة ، لا إلى ما تشتهيه عقول الخاصة ، والأصل في ذلك أن الإيمان هو اليقين في الاعتقاد باللّه ورسله واليوم الآخر بلا قيد في ذلك إلا احترام ما جاء به على ألسنة الرسل . بقيت علينا مسألتان وضعتا من هذا العلم في مكان من الاهتمام ، وما هما منه إلا حيث يكون غيرهما مما أجملنا القول فيه ( الأولى ) جواز رؤية اللّه تعالى في الآخرة ( والأخرى ) جواز وقوع الكرامات وخوارق العادات من غير الأنبياء : من الأولياء والصديقين . أما الأولى : فقد اشتدّ فيها النزاع ، ثم انتهى إلى وفاق بين المنزهين لا مجال معه للتنازع ، فإن القائلين بجواز الرؤية من أهل التنزيه متفقون على أن الرؤية لا تكون على المعهود من رؤية البصر المعروفة لنا في مجرى العادة ، بل هي رؤية لا كيف فيها ولا تحديد ، ومثلها لا يكون إلا ببصر يختص اللّه به أهل الدار الآخرة ، أو تتغير فيه خاصته المعهودة في الحياة الدنيا 172 وهو ما لا يمكننا معرفته وإن كنا نصدق بوقوعه متى صح الخبر ، والمنكرون لجوازها لم ينكروا انكشافا يساويها ، فسواء كان ذلك بالبصر غير المعهود أو بحاسة أخرى فهو في المعنى يرجع إلى قول خصومهم ، ولكن منى الإسلام بقوم يحبون الخلاف ، واللّه فوق ما يظنون . وأما الثانية : فأنكر جواز وقوع الكرامات أبو إسحاق الأسفرايني من أكابر أتباع أبى الحسن الأشعري 173 . وعلى ذلك المعتزلة إلا أبا الحسن البصري ، فقال بجوار وقوعها ، وعليه جمهور الأشاعرة ، واستدل الذاهبون إلى الجواز بما جاء في الكتاب من قصة الّذي عنده علم من الكتاب ، الواردة في خبر بلقيس من