تر إلى الذين تذوقوا من العلم شيئا وهم أهل هذا الدين أول ما يعلق بأوهام أكثرهم أن عقائده خرافات ، وقواعده وأحكامه ترهات ؟ ويجدون لذتهم في التشبه بالمستهزئين ممن سموا أنفسهم أحرار الأفكار ، وبعداء الأنظار ، وإلى الذين قصروا همهم على تصفح أوراق من كتبه ، ووسموا أنفسهم بأنهم حفاظ أحكامه والقوام على شرائعه ، كيف يجافون علوم النظر ويهزءون بها ، ويرون العمل فيها
164
عبثا في الدين والدنيا ، ويفتخر الكثير منهم بجهلها ، كأنه في ذلك قد هجر منكر ، وترفع عن دنيئة ، فمن وقف على باب العلم من المسلمين ، يجد دينه كالثوب الخلق يستحى أن يظهر به بين الناس ، ومن غرته نفسه بأنه على شيء من الدين ، وأنه مستمسك بعقائده ، يرى العقل جنة ، والعلم مظنة ، أليس في هذا ما يشهد اللّه وملائكته والناس أجمعين ، على أن لا وفاق بين العلم والعقل وهذا الدين ؟ .
الجواب
ربما لم يبالغ الواصف لما عليه المسلمون اليوم بل من عدة أجيال ، وربما كان ما جاء في الإيراد قليلا من كثير ، وقد وصف الشيخ الغزالي - رحمه اللّه تعالى - وابن الحاج وغيرهما
165
من أهل البصر في الدين ما كان عليه مسلمو زمانهم :
عامتهم وخاصتهم ، بما حوته مجلدات ، ولكن قد أتيت في خاصة الدين الإسلامي بما يكفى للاعتراف به مجرد تلاوة القرآن ، مع التدقيق في فهم معانيه وحملها على ما فهمه أولئك الذين أنزل فيهم ، وعمل به بينهم ، ويكفى في الاعتراف بما ذكرته من جميل أثره ، قراءة ورقات في التاريخ على ما كتبه محققو الإسلام ومنصفو سائر الأمم ، فذلك هو الإسلام ، وقد أسلفنا أن الدين هدى وعقل ، من أحسن في استعماله والأخذ بما أرشد إليه ، نال من السعادة ما وعد اللّه على أتباعه . وقد جرب علاج الاجتماع الإنسانى بهذا الدواء ، فظهر نجاحه ظهورا لا يستطيع معه الأعمى إنكارا ، ولا الأصم إعراضا ، وغاية ما قيل في الإيراد : أن أعطى الطبيب المريض دواء فصح المريض
166
وانقلب الطبيب الّذي كان يعمل لمعالجته ، وهو يتجرع الغصص من آلامه والدواء في بيته وهو لا يتناوله ، وكثير