إحضاره عرشها قبل ارتداد الطرف ، وقصة مريم - عليها السلام - وحضور الرزق عندها ، وقصة أصحاب الكهف .
واحتج الآخرون بأن ذلك يوقع الشبهة في المعجزات وأوّلوا ما جاء في الآيات : أما أن ذلك يوقع الشبهة في المعجزات فليس بصحيح ؛ لأن المعجزات إنما تظهر مقرونة بدعوى الرسالة والتبليغ عن اللّه تعالى ولا بد أن تكتنفها حوادث تميزها عما سواها .
وأما ما احتج به المجوزون من الآيات فلا دليل فيه ؛ لأن ما في قصة مريم وآصف
174
قد يكون بتخصيص من اللّه تعالى لوقوعه في عهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولا علم لنا بما اكتنف تلك الوقائع من شؤون اللّه في أنبياء ذلك العهد إلا قليلا .
وأما قصة أهل الكهف فقد عدها اللّه من آياته في خلقه ، وذكرنا بها لنعتبر بمظاهر قدرته ، فليست من قبيل ما الكلام فيه من عموم الجواز . فصار البحث في جواز وقوع الكرامات نوعا من البحث في متناول همم النفوس البشرية وعلاقتها بالكون الكبير ، وفي مكان الأعمال الصالحة وارتقاء النفوس في مقامات الكمال من العناية الإلهية ، وهو بحث دقيق قد يختص بعلم آخر .
وأما مجرد الجواز العقلي ، وأن صدوره خارق للعادة على يد غير نبي مما تتناوله القدرة الإلهية ، فلا أظن أنه موضع نزاع يختلف فيه العقلاء ، وإنما الّذي يجب الالتفات إليه هو أن أهل السنة وغيرهم في اتفاق على أنه لا يحب الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولى للّه معين بعد ظهور الإسلام ، فيجوز لكل مسلم بإجماع الأمة أن ينكر صدور أي كرامة كانت من أي ولى كان ، ولا يكون بإنكار هذا مخالفا لشيء من أصول الدين ، ولا مائلا عن سنة صحيحة ، ولا منحرفا عن الصراط المستقيم ، اللهم إلا أن يكون مما صح في السنة عن الصحابة .
أين هذا الأصل المجمع عليه مما يهذى به جمهور المسلمين في هذه الأيام ؛ حيث يظنون أن الكرامات وخوارق العادات ، أصبحت من ضروب الصناعات ، يتنافس فيها الأولياء ، وتتفاخر فيها هموم الأصفياء
175
، وهو مما يتبرأ منه اللّه ودينه وأولياؤه وأهل العلم أجمعون .
رسالة التوحيد — صفحة 142
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص١٤٢