رَسُولًا مِنْهُمْ )
وأن هذا الدين هو ما كانت تبشر به الأنبياء أقوامهم من بعدها
154
فلم يجد أهل النصفة منهم سبيلا إلى البقاء على العناد في مجاحدته فتلقوه شاكرين ، وتركوا ما كان لهم بين قومهم صابرين .
أوقع ذلك من الريب في قلوب مقلديهم ما حركهم إلى النظر فيه ، فوجدوا لطفا ورحمة ، وخيرا ونعمة ، لا عقيدة ينفر منها العقل وهو رائد الإيمان الصادق ، ولا عمل تضعف عن احتماله الطبيعة البشرية وهي القاضية في قبول المصالح والمرافق ، رأوا أن الإسلام يرفع النفوس بشعور من اللاهوت ، يكاد يعلو بها عن العالم السفلى ويلحقها بالملكوت الأعلى ، ويدعوها إلى إحياء ذلك الشعور بخمس صلوات في اليوم ، وهو مع ذلك لا يمنع من التمتع بالطيبات ، ولا يفرض من الرياضات وضروب الزهادة ما يشق على الفطرة البشرية تجشمه ، ويعد برضا الله ونيل ثوابه ، حتى في توفية البدن حقه متى حسنت النية وخلصت السريرة ، فإذا نزت شهوة أو غلب هوى كان الغفران الإلهي ينتظره متى حسنت التوبة ، وكملت الأوبة .
تبدت لهم سذاجة الدين عندما قرءوا القرآن ، ونظروا في سيرة الطاهرين من حامليه إليهم ، وظهر لهم الفرق بين ما لا سبيل إلى فهمه وما تكفى جوالة نظر في الوصول إلى علمه
152
فتراموا إليه خفافا من ثقل ما كانوا عليه .
كانت الأمم تطلب عقلا في دين فوافاها ، وتتطلع إلى عدل في إيمان فأتاها ، فما الّذي يحجم بها عن المسارعة إلى طلبتها ، والمبادرة إلى رغيبتها ؟ كانت الشعوب تئن من ضروب الامتياز التي رفعت بعض الطبقات على بعض بغير حق ، وكان من حكمها أن لا يقام وزن لشؤون الأدنين متى عرضت دونها شهوات الأعلين ، فجاء دين يحدد الحقوق ، ويسوى بين جميع الطبقات في احترام النفس والدين والعرض والمال ، ويسوغ لامرأة فقيرة غير مسلمة أن تأبى بيع بيت صغير بأية قيمة لأمير عظيم مطلق السلطان في قطر كبير ، وما كان يريده لنفسه ولكن ليوسع به مسجدا ، فلما عقد العزيمة على أخذه مع دفع أضعاف قيمته ، رفعت الشكوى إلى الخليفة ، فورد أمره برد بيتها إليها مع لوم الأمير على ما كان منه
156
. عدل يسمح ليهودي أن يخاصم مثل علي بن أبي طالب أمام القاضي وهو من نعلم من هو ، ويستوقفه معه للتقاضى إلى أن قضى الحق بينهما .