تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
سبحانك هذا بهتان عظيم ! ما قدمناه من معاملة المسلمين مع من دخلوا تحت سلطانهم هو ما تواترت به الأخبار تواترا صحيحا لا يقبل الريبة . في جملته ، وإن وقع اختلاف في تفصيله ، وإنما شهر المسلمون سيوفهم دفاعا عن أنفسهم ، وكفا للعدوان عنهم ، ثم كان الافتتاح بعد ذلك من ضرورة الملك ، ولم يكن من المسلمين مع غيرهم إلا أنهم جاوروهم وأجاروهم ، فكان الجوار طريق العلم بالإسلام ؛ وكانت الحاجة لصلاح العقل والعمل داعية الانتقال إليه . لو كان السيف ينشر دينا 157 فقد عمل في الرقاب للإكراه على الدين والإلزام به . مهددا كل أمة لم تقبله بالإبادة والمحو من سطح البسيطة ، مع كثرة الجيوش ووفرة العدد ، وبلوغ القوة أسمى درجة كانت تمكن لها . وابتداء ذلك العمل قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون كاملة ، واستمر في شدته بعد مجىء الإسلام سبعة أجيال أو يزيد ، فتلك عشرة قرون كاملة لم يبلغ فيها السيف من كسب عقائد البشر مبلغ الإسلام في أقل من قرن . هذا ولم يكن السيف وحده بل كان الحسام لا يتقدم خطوة إلا والدعاة من خلفه يقولون ما يشاءون تحت حمايته ، مع غيرة تفيض من الأفئدة ، وفصاحة تتدفق عن الألسنة ، وأموال تخلب ألباب المستضعفين ، إن في ذلك لآيات للمستيقنين . * * * جلت حكمة اللّه في أمر هذا الدين : سلسبيل حياة نبع في القفار العربية ، أبعد بلاد اللّه عن المدنية . فاض حتى شملها فجمع شملها فأحياها حياة شعبية ملية على مده حتى استغرق ممالك كانت تفاخر أهل السماء في رفعتها ، وتعلو أهل الأرض بمدنيتها . زلزل هديره على لينه ما كان استحجر من الأرواح ، فانشقت عن مكنون سر الحياة فيها . قالوا : كان لا يخلو من غلب ( بالتحريك ) قلنا : تلك سنة اللّه في الخالق : لا تزال المصارعة بين الحق والباطل ، والرشد والغى ، قائمة في هذا العالم إلى أن يقضى اللّه قضاءه فيه . إذا ساق اللّه ربيعا إلى أرض جدبة ليحيى ميتتها ، وينقع غلتها ، وينمى الخصب فيها ، أفينقص من قدره أن أتى في طريقه على عقبة فعلاها ، أو بيت رفيع العماد فهوى به ؟