لهذا ختمت النبوات بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم - وانتهت الرسالات برسالته ، كما صرح بذلك الكتاب ، وأيدته السنة الصحيحة ، وبرهنت عليه خيبة مدعيها من بعده ، واطمئنان العالم بما وصل إليه من العلم إلى أن لا سبيل بعد لقبول دعوة يزعم القائم بها أنه يحدث عن الله بشرع ، أو يصدع عن وحيه بأمر ، هكذا يصدق نبأ الغيب : ( 33 : 40
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً )
.
انتشار الإسلام بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ
كانت حاجة الأمم إلى الإصلاح عامة ، فجعل الله رسالة خاتم النبيين عامة كذلك . لكن يدهش عقل الناظر في أحوال البشر عندما يرى أن هذا الدين يجمع إليه الأمة العربية من أدناها إلى أقصاها في أقل من ثلاثين سنة ، ثم يتناول من بقية الأمم ما بين المحيط الغربى وجدار الصين في أقل من قرن واحد ، وهو أمر لم يعهد في تاريخ الأديان ، ولذلك ضل الكثير في بيان السبب ، واهتدى إليه المنصفون فبطل العجب .
ابتدأ هذا الدين بالدعوة كغيره من الأديان ، ولقى من أعداء أنفسهم أشد ما يلقى من باطل : أو ذي الداعي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بضروب الإيذاء ، وأقيم في وجهه ما كان يصعب تذليله من العقاب لولا عناية الله ، وعذب المستجيبون له ، وحرموا الرزق ، وطردوا من الدار ، وسفكت منهم دماء غزيرة ، غير أن تلك الدماء كانت عيون العزائم تتفجر من صخور الصبر ، يثبت الله بمشهدها المستيقنين ، ويقذف بها الرعب في أنفس المرتابين ، فكانت تسيل لمنظرها نفوس أهل الريب وهي ذوب ما فسد من طباعهم ، فتجرى من مناحرهم جرى الدم الفاسد من المقصود على أيدي الأطباء الحاذقين : ( 8 : 37
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ )
.