سطح الإسلام على الديار التي بلغها أهله
158
فلم يكن بين أهل تلك الديار وبينه إلا أن يسمعوا كلام اللّه ويفقهوه ، واشتغل المسلمون بعضهم ببعض زمنا ، وانحرفوا عن طريق الدين أزمانا ، فوقف وقفة القائد خذله الأنصار ، وكاد يتزحزح إلى ما وراءه ، لكن اللّه بالغ أمره ، فانحدرت إلى ديار المسلمين أمم من التتار يقودها جنكيز خان ، وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل ، وكانوا وثنيين ، جاءوا لمحض الغلبة والسلب والنهب ، ولم يلبث أعقابهم أن اتخذوا الإسلام دينا ، وحملوه إلى أقوامهم ، فعمهم منه ما عم غيرهم ؛ لشقوتهم فعادوا بسعادتهم .
حمل الغرب على الشرق حملة واحدة
159
لم يبق ملك من ملوكه ولا شعب من شعوبه إلا اشترك فيها ، واستمرت المجالدات بين الغربيين والشرقيين أكثر من مائتي سنة ، جمع فيها الغربيون من الغيرة والحمية للدين ما لم يسبق لهم من قبل ، وجيشوا من الجند وأعدوا من القوة ما بلغته طاقتهم ، وزحفوا إلى ديار المسلمين ، وكانت فيهم بقية من روح الدين ، فغلب الغربيون على كثير من البلاد الإسلامية ، وانتهت تلك الحروب الجارفة بإجلائهم عنها .
لم جاءوا وبما ذا رجعوا ؟ ظفر رؤساء الدين في الغرب بإثارة شعوبهم ليبيدوا ما يشاءون من سكان الشرق ، أو يستولى سلطان تلك الشعوب على ما يعتقدون لأنفسهم الحق في الاستيلاء عليه من جم غفير ، وجاء ممن دونهم من الطبقات ما قدروه بالملايين ، واستقر المقام بكثير من هؤلاء في أرض المسلمين ، وكانت فترات تنطفئ فيها نار الغضب وتثوب العقول إلى سكينتها ، تنظر في أحوال المجاورين ، وتلتقط من أفكار المخالطين ، وتنفعل بما ترى وبما ترى وما تسمع ، فتبينت أن المبالغات التي أطاشت الأحلام ، وجست الآلام ، لم تصب مستقر الحقيقة ، ثم وجدت حرية في دين ، وعلما وشرعا وصنعة مع كمال في يقين ، وتعلمت أن حرية الفكر وسعة العلم من وسائل الإيمان لا من العوادى عليه ، ثم جمعت من الآداب ما شاء اللّه ، وانطلقت إلى بلادها قريرة العين مما غنمته من جلادها ، هذا إلى ما كسبه السّفار من أطراف الممالك إلى بلاد الأندلس بمخالطة حكمائها وأدبائها ، ثم عادوا به إلى شعوبهم ليذيقوا حلاوة ما كسبوا ، وأخذت الأفكار من ذلك العهد تتراسل ، والرغبة في العلم تتزايد بين الغربيين ، ونهضت الهمم لقطع رسالة التوحيد -
رسالة التوحيد — صفحة 133
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص١٣٣