تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
تألبت الملل المختلفة ممن كان يسكن جزيرة العرب وما جاورها على الإسلام ليحصدوا نبتته ، ويخنقوا دعوته ، فما زال يدافع عن نفسه دفاع الضعيف للأقوياء ، والفقير للأغنياء ، ولا ناصر له إلا أنه الحق بين الأباطيل ، والرشد في ظلمات الأضاليل ، حتى ظفر بالعزة ، وتعزز بالمنعة ، وقد وطئ أرض الجزيرة أقوام من أديان أخر كانت تدعو إليها ، وكانت لهم ملوك وعزة وسلطان ، وحملوا الناس على عقائدهم بأنواع من المكاره ، ومع ذلك لم يبلغ بهم السعي نجاحا ، ولا أنالهم القهر فلاحا . ضم الإسلام سكان القفار العربية إلى وحدة لم يعرفها تاريخهم ، ولم يعهد لها نظير في ماضيهم ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أبلغ رسالته بأمر ربه إلى من جاور البلاد العربية من ملوك الفرس والرومان ، فهزءوا وامتنعوا ، وناصبوه وقومه الشر ، وأخافوا السابلة ، وضيقوا على المتاجر فغزاهم بنفسه ، وبعث إليهم البعوث في حياته ، وجرى على سنته الأئمة من صحابته . طلبا للأمن وإبلاغا للدعوة . فاندفعوا في ضعفهم وفقرهم يحملون الحق على أيديهم . وانهالوا به على تلك الأمم في قوتها ومنعتها . وكثرة عددها واستكمال أهبها وعددها . فظفروا منها بما هو معلوم . وكانوا متى وضعت الحرب أوزارها ، واستقر السلطان للفاتح ، عطفوا على المغلوبين بالرفق واللين ، وأباحوا لهم البقاء على أديانهم وإقامة شعائرها آمنين مطمئنين . ونشروا حمايتهم عليهم يمنعونهم بما يمنعون منه أهلهم وأموالهم . وفرضوا عليهم كفاء ذلك جزءا قليلا من مكاسبهم على شرائط معينة . كانت الملوك من غير المسلمين إذا فتحوا مملكة أتبعوا جيشها الظافر بجيش من الدعاة إلى دينها ، يلجون على الناس بيوتهم ، ويغشون مجالسهم ليحملوهم على دين الظافر . وبرهانهم الغلبة ، وحجتهم القوة ، ولم يقع ذلك لفاتح من المسلمين ، ولم يعهد في تاريخ فتوح الإسلام أن كان له دعاة معروفون ، لهم وظيفة ممتازة ، يأخذون على أنفسهم العمل في نشره ، ويقفون مسعاهم على بث عقائده بين غير المسلمين ، بل كان المسلمون يكتفون بمخالطة من عداهم ومحاسنتهم في المعاملة . وشهد العالم بأسره أن الإسلام كان يعد مجاملة المغلوبين فضلا وإحسانا عندما كان يعدها الأوربيون ضعة وضعفا .