هذا وما سبق بيانه مما جاء به الإسلام هو الّذي حببه إلى من كانوا أعداءه ، ورد إليه أهواءهم ، حتى صاروا أنصاره وأولياءه غلب على المسلمين في كل زمن روح الإسلام ، فكان من خلقهم العطف على من جاورهم من غيرهم ، ولم تستشعر قلوبهم عداوة لمن خالفهم إلا بعد أن يحرجهم الجار ، فهم كانوا يتعملونها من سواهم ، ثم لا يكون إلا طائفا يحل ثم يرتحل ، فإذا انقطعت أسباب الشغب تراجعت القلوب إلى سابق ما ألفته من اللين والمياسرة ، ومع ذلك بل وغفلة المسلمين عن الإسلام ، وخذلانهم له ، وسعى الكثير منهم في هدمه بعلم وبغير علم ، لم يقف الإسلام في انتشاره عند حد ، خصوصا في الصين وفي إفريقيا ، ولم يخل زمن من رؤية جموع كثيرة من ملل مختلفة تنزع إلى الأخذ بعقائده على بصيرة فيما تنزع إليه : لا سيف وراءها ، ولا داعى أمامها ، وإنما هو مجرد الاطلاع على ما أودعه ، مع قليل من حركة الفكر في العلم بما شرعه .
ومن هذا تعلم أن سرعة انتشار الدين الإسلامي ، وإقبال الناس على الاعتقاد به من كل ملة ، إنما كان لسهولة تعقله ، ويسر أحكامه ، وعدالة شريعته ، وبالجملة لأن فطر البشر تطلب دينا ، وترتاد منه ما هو أمس بمصالحها ، وأقرب إلى قلوبها ومشاعرها ، وادعى إلى الطمأنينة في الدنيا والآخرة ، ودين هذا شأنه يجد إلى القلوب منفذا ، وإلى العقول مخلصا ، بدون حاجة إلى دعاة ينفقون الأموال الكثيرة ، والأوقات الطويلة ، ويستكثرون من الوسائل ، ونصب الحبائل ، لإسقاط النفوس فيه .
هذا كان حال الإسلام في سذاجته الأولى ، وطهارته التي أنشأه الله عليها ، ولا يزال على جانب عظيم منها في بعض أطراف الأرض إلى اليوم .
* * * قال من لم يفهم ما قدمناه أو لم يرد أن يفهمه ، إن الإسلام لم يطف على قلوب العالم بهذه السرعة إلا بالسيف ، فقد فتح المسلمون ديار غيرهم والقرآن بإحدى اليدين ، والسيف بالأخرى ، يعرضون القرآن على المغلوب ، فإن لم يقبله فصل السيف بينه وبين حياته .
رسالة التوحيد — صفحة 131
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص١٣١