بينها . فأما النعم التي يمتع الله بها بعض الأشخاص في هذه الحياة ، والرزايا التي يرزأ بها في نفسه فكثيرة منها : كالثروة ، والجاه ، والقوة ، والبنين ، أو الفقر والضعة ، والضعف ، والفقد ، ربما يكون كاسبها أو جالبها ما عليه الشخص في سيرته من استقامة وعوج ، وأو طاعة وعصيان ، وكثيرا ما أمهل اللّه بعض الطغاة البغاة ، أو الفجر الفسقة ، وترك لهم متاع الحياة الدنيا انظارا لهم ، حتى يتلقاهم ما أعد لهم من العذاب المقيم في الحياة الأخرى ، وكثيرا ما امتحن الله الصالحين من عباده ، وأثنى عليهم في الاستسلام لحكمه ، وهم الذين إذا أصابتهم مصيبة عبروا عن إخلاصهم في التسليم بقولهم : ( 2 : 156
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ )
فلا غضب زيد ولا رضا عمرو ، ولا إخلاص سريرة ولا فساد عمل ، مما يكون له دخل في هذه الرزايا ، ولا في تلك النعم الخاصة ، اللهم إلا فيما ارتباطه بالعمل ارتباط المسبب بالسبب على جارى العادة ، كارتباط الفقر بالإسراف ، والذل بالجبن ، وضياع السلطان بالظلم ، وكارتباط الثروة بحسن التدبير في الأغلب ، والمكانة عند الناس بالسعي في مصالحهم على الأكثر ، وما يشبه ذلك مما هو مبين في علم آخر .
وأما شأن الأمم فليس على ذلك ، فإن الروح الّذي أودعه اللّه جميع شرائعه الإلهية من تصحيح الفكر ، وتسديد النظر ، وتأديب الأهواء ، وتحديد مطامح الشهوات ، والدخول إلى كل أمر من بابه ، وطلب كل رغيبة من أسبابها ، وحفظ الأمانة ، واستشعار الأخوة ، والتعاون على البر ، والتناصح في الخير والشر . وغير ذلك من أصول الفضائل - ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم ومشرق سعادتها في هذه الدنيا قبل الآخرة ( 3 : 145
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها 147
ولن يسلب الله عنها نعمته ما دام هذا الروح فيها : يزيد الله النعم بقوته ، وينقصها بضعفه ، حتى إذا فارقها ذهبت السعادة على أثره وتبعته الراحة إلى مقره ، واستبدل الله عزة القوم بالذل
148
وكثرهم بالقل ، ونعيمهم بالشقاء ، وراحتهم بالعناء ، وسلط عليهم الظالمين أو العادلين فأخذهم بهم وهم في غفلة ساهون ( 17 : 16
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً )
أمرناهم بالحق ففسقوا عنه إلى الباطل ، ثم لا ينفعهم الأنين ولا يجديهم