يسهل التسليم فيه لحكمة العليم الخبير
142
. وليس فيه من ظاهر العبث واستحالة المعنى ما يحل بالأصول التي وضعها اللّه للعقل في الفهم والتفكير .
وأما الصوم
143
فحرمان يعظم به أمر الله في النفس ، وتعرف به مقادير النعم عند فقدها ، ومكانة الإحسان الإلهي في التفضل بها ( 2 : 183
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 144
) .
وأما أعمال الحج فتذكير للإنسان بأوليات حاجاته ، وتعهد له بتمثيل المساواة بين أفراده - ولو في العمر مرة - يرتفع فيها الامتياز بين الغنى والفقير ، والصعلوك والأمير ، ويظهر الجميع في معرض واحد مكشوفى الرؤوس متجردين عن المخيط ، وحدت بينهم العبودية لله رب العالمين ، كل ذلك مع استبقائهم في الطواف ، والسعي ، والمواقف ، ولمس الحجر ، ذكرى إبراهيم عليه السلام وهو أبو الدين ، واستقرار يقينهم على أن لا شيء من تلك البقايا الشريفة يضر أو ينفع .
وهذا الإذعان الكريم في كل عمل من أعمال العبادات الإسلامية مقرون بما يدل على التنزيه ، وتقديس الله عما يوهم التشبيه
145
. أين هذا كله مما تجد في عبادات أقوام آخرين ، يضل فيها العقل ، ويتعذر معها خلوص السر للتنزيه والتوحيد .
كشف الإسلام عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من حوادث الكون الكبير « العالم » والكون الصغير « الإنسان » فقرر أن آيات الله الكبرى في صنع العالم إنما يجرى أمرها على السنن الإلهية
146
التي قدرها في علمه الأزلي لا يغيرها شيء من الطوارئ الجزئية ، غير أنه لا يجوز أن يغفل شأن الله فيها ، بل ينبغي أن يحيا ذكره عند رؤيتها ، فقد جاء على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله حتى ينجلى » وفيه التصريح بأن جميع آيات الكون تجرى على نظام واحد لا يقضى فيه إلا العناية الأزلية على السنن التي أقامته عليها .
ثم أماط اللثام عن حال الإنسان في النعم ، التي يتمتع بها الأشخاص أو الأمم ، والمصائب التي يرزءون بها ، ففصل بين الأمرين فصلا لا مجال معه للخلط