القطيعة محل التراحم ، والتخاصم مكان التعاون ، والحرب محل السلام ، وكان الناس على ذلك إلى أن جاء الإسلام .
* * * كانت سنن الاجتماع البشرى قد بلغت
139
بالإنسان أشده ، وأعدته الحوادث الماضية إلى رشده ، فجاء الإسلام يخاطب العقل ، ويستصرخ الفهم واللب ، ويشركه مع العواطف والإحساس في إرشاد الإنسان إلى سعادته الدنيوية والأخروية ، وبين للناس ما اختلفوا فيه ، وكشف لهم عن وجه ما اختصموا عليه ، وبرهن على أن دين الله في جميع الأجيال واحد ، ومشيئته في إصلاح شؤونهم وتطهير قلوبهم واحدة ، وأن رسم العبادة على الأشباح إنما هو لتجديد الذكرى في الأرواح ، وأن الله لا ينظر إلى الصور ولكن ينظر إلى القلوب ، وطالب المكلف برعاية جسده كما طالبه بإصلاح سره ، ففرض نظافة الظاهر ، كما أوجب طهارة الباطن ، وعد كلا الأمرين طهرا مطلوبا ، وجعل روح العبادة الإخلاص ، وأن ما فرض من الأعمال ، إنما هو لما أوجب من التحلي بمكارم الأخلاق ( 29 : 45
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ )
( 70 : 19
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 20 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 21 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 22 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ )
ورفع الغنى الشاكر إلى مرتبة الفقير الصابر ، بل ربما فضله عليه ، وعامل الإنسان في مواعظة معاملة الناصح الهادي للرجل الرشيد ، فدعاه إلى استعمال جميع قواه الظاهرة والباطنة ، وصرح بما لا يقبل التأويل : أن في ذلك رضاء اللّه وشكر نعمته . وأن الدنيا مزرعة الآخرة ، ولا وصول إلى خير العقبى ، إلا بالسعي في صلاح الدنيا .
التفت إلى أهل العناد فقال لهم : ( 27 : 64
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
وعنف النازعين إلى الخلاف والشقاق على ما زعزعوا من أصول اليقين ، ونص على أن التفرق بغى وخروج عن سبيل الحق المبين ، ولم يقف في ذلك عند حد الموعظة بالكلام والنصيحة بالبيان ، بل شرع شريعة الوفاق وقررها في العمل ، فأباح للمسلم أن يتزوج من أهل الكتاب وسوغ مؤاكلتهم ، وأوصى أن تكون مجادلتهم بالتي هي أحسن .