تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ثم مضت على ذلك أزمان علمت فيها الأقوام وسقطت ، وارتفعت وانحطت ، وجربت وكسبت ، وتخالفت واتفقت ، وذاقت من الأيام آلاما ، وتقلبت في السعادة والشقاء أياما وأياما ، ووجدت الأنفس بنفث الحوادث . ولقن الكوارث ، شعورا أدق من الحس وأدخل في الوجدان ، لا يرتفع في الجملة عما تشعر به قلوب النساء أو تذهب معه نزعات الغلمان ، فجاء دين يخاطب العواطف . ويناجى المراحم ، ويستعطف الأهواء ، ويحادث خطرات القلوب ، فشرع للناس من شرائع الزهادة ما يصرفهم عن الدنيا بجملتها ، ويوجه وجوههم نحو الملكوت الأعلى ، ويقتضي من صاحب الحق أن لا يطالب به ولو بحق ، ويغلق أبواب السماء في وجوه الأغنياء ، وما ينحو نحو ذلك مما هو معروف . وسن للناس سننا في عبادة الله تتفق مع ما كانوا عليه ، ودعاهم إليه . فلاقى من تعلق النفوس بدعوته ما أصلح من فاسدها ، وداوى من أمراضها ، ثم لم يمض عليه بضعة أجيال حتى ضعفت العزائم البشرية عن احتماله ، وضاقت الذرائع عن الوقوف عند حدوده والأخذ بأقواله ، ووقر في الظنون أن اتباع وصاياه ضرب من المحال ، فهب القائمون عليه أنفسهم لمنافسة الملوك في السلطان ، ومزاحمة أهل الترف في جمع الأموال ، وانحرف الجمهور الأعظم منهم عن جادته بالتأويل ، وأضافوا عليه ما شاء الهوى من الأباطيل . هذا كان شأنهم في السجايا والأعمال : نسوا طهارته ، وباعوا نزاهته ، أما في العقائد فتفرقوا شيعا ، وأحدثوا بدعا ، ولم يستمسكوا من أصوله إلا بما ظنوه من أشد أركانها ، وتوهموه من أقوى دعائمها ، وهو حرمان العقول من النظر فيه ، بل وفي غيره من دقائق الأكوان ، والحظر على الأفكار أن تنفذ إلى شيء من سرائر الخلقة ، فصرحوا بأن لا وفاق بين الدين والعقل ، وأن الدين من أشد أعداء العلم ، ولم يكف الذهاب إلى ذلك أن يأخذ به نفسه ، بل جد في حمل الناس على مذهبه بكل ما يملك من حول وقوة ، وأفضى الغلو في ذلك بالأنفس إلى نزعة كانت أشأم النزعات على العالم الإنسانى ، وهي نزعة الحرب بين أهل الدين ، للإلزام ببعض قضايا الدين ، فتقوض الأصل وتحزمت العلائق بين الأهل ، وحلت