لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ، بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
.
أما الأماني ففسرت بالقراءات والتلاوات أي لا يعلمون منه إلا أن يتلوه ، وإذا ظنوا أنهم على شيء مما دعا إليه فهو عن غير علم بما أودعه ، وبلا برهان على ما تخيلوه عقيدة وظنوه دينا . وإذا عنّ لأحدهم أن يبين شيئا من أحكامه ومقاصده لشهوة دفعته إلى ذلك جاء فيما يقول بما ليس منه على بينة ، واعتسف في التأويل وقال هذا من عند اللّه ( 2 : 79
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا )
وأما الذين قال : إنهم لم يحملوا التوراة وهي بين أيديهم بعد ما حملوها
135
فمنهم الذين لم يعرفوا منها إلا الألفاظ ولم تسم عقولهم إلى درك ما أودعته من الشرائع والأحكام ، فعميت عليهم بذلك طرق الاهتداء بها ، وطمست عن أعينهم إعلام الهداية التي نصبت بإنزالها ، فحق عليهم ذلك المثل الّذي أظهر شأنهم فيما لا يليق بنفس بشرية أن تظهر به : مثل الحمار الّذي يحمل الكتب ولا يستفيد من حملها إلا العناء والتعب ، وقصم الظهر وانبهار النفس ، وما أشنع شأن قوم انقلبت بهم الحال ، فما كان سببا في إسعادهم - وهو التنزيل والشريعة - أصبح سببا في شقائهم بالجهل والغباوة .
وبهذا التقريع ونحوه ، وبالدعوة العامة إلى الفهم ، وتمحيص الألباب لتفقه واليقين - مما هو منتشر في القرآن العزيز - فرض الإسلام على كل ذي دين أن يأخذ بحظه من علم ما أودع اللّه في كتبه وما قرر من شرعه . وجعل الناس ذلك سواء بعد استيفاء الشرط بإعداد ما لا بدّ منه للفهم ، وهو سهل المنال على الجمهور الأعظم من المتدينين ، لا تخص به طبقة من الطبقات ، ولا يحتكر مزيته وقت من الأوقات .
جاء الإسلام والناس شيع في الدين ، وإن كانوا - إلا قليلا - في جانب
136
من اليقين ، يتنابذون ويتلاعنون ، ويزعمون في ذلك بأنهم بحبل اللّه مستمسكون ، فرقة وتخالف وشغب ، يظنونها في سبيل اللّه أقوى سبب . أنكر الإسلام ذلك كله ، وصرح تصريحا لا يحتمل الريبة : بأن دين اللّه في جميع الأزمان وعلى ألسن