عاب أرباب الأديان في اقتفائهم أثر آبائهم ، ووقوفهم عندما اختطته لهم سير أسلافهم ، وقولهم : ( 31 : 21
بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا )
( 43 : 22
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ )
.
فأطلق بهذا سلطان العقل من كل ما كان قيده ، وخلصه من كل تقليد كان استعبده ، ورده إلى مملكته ، يقضى فيها بحكمه وحكمته مع الخضوع في ذلك للّه وحده والوقوف عند شريعته ، ولا حد للعمل في منطقة حدودها ولا نهاية للنظر يمتد تحت بنودها .
بهذا وما سبقه تم للإنسان بمقتضى دينه أمران عظيمان ، طالما حرم منهما ، وهما : استقلال الإرادة ، واستقلال الرأي والفكر ، وبهما كملت له إنسانيته ، واستعد لأن يبلغ من السعادة ، ما هيئة اللّه بحكم الفطرة التي فطر عليها . وقد قال بعض حكماء الغربيين من متأخريهم : إن نشأة المدينة في أوروبا إنما قامت على هذين الأصلين ، فلم تنهض النفوس للعمل ، ولم تتحرك العقول للبحث والنظر ، إلا بعد أن عرف العدد الكثير أنفسهم ، وأن لهم حقا في تصريف اختيارهم وفي طلب الحقائق بعقولهم . ولم يصل إليهم هذا النوع من العرفان إلا في الجيل السادس عشر من ميلاد المسيح وقرر ذلك الحكيم أنه شعاع سطع عليهم من آداب الإسلام ومعارف المحققين من أهله في تلك الأزمان .
رفع الإسلام بكتابه المنزل ما كان وضعه رؤساء الأديان من الحجر على عقول المتدينين في فهم الكتب السماوية ، استئثارا من أولئك الرؤساء بحق الفهم لأنفسهم . وضنا به كل على من لم يلبس لباسهم ولم يسلك مسلكهم لنيل تلك الرتبة المقدسة ، ففرضوا على العامة أو أباحوا لهم أن يقرءوا قطعا من تلك الكتب لكن على شريطة أن لا يفهموها وأن لا يطيلوا أنظارهم إلى ما ترمى إليه . ثم غالوا في ذلك فحرموا أنفسهم أيضا مزية الفهم ، إلا قليلا ، ورموا عقولهم بالقصور عن إدراك ما جاء في الشرائع والنبوات ، ووقفوا كما وقفوا بالناس عند تلاوة الألفاظ تعبدا بالأصوات والحروف
134
فذهبوا بحكمة الإرسال ، فجاء القرآن يلبسهم عار ما فعلوا ، فقال : ( 2 : 78
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
( 62 : 5
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ
رسالة التوحيد -