تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
أنحى الإسلام على التقليد ، وحمل عليه حملة لم يردها عند القدر ، فبددت فيالقه المتغلبة على النفوس ، واقتلعت أصوله الراسخة في المدارك ، ونسفت ما كان له من دعائم وأركان في عقائد الأمم 1133 . صاح بالعقل صيحة أزعجته من سباته ، وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها ، كلما نفذ إليه شعاع من نور الحق ، خلصت إليه هينمة من سدنة هياكل الوهم : « نم فإن الليل حالك والطريق وعرة والغاية بعيدة والراحة كليلة ، والأزواد قليلة » . علا صوت الإسلام على وساوس الطغام ، وجهر بأن الإنسان لم يخلق ليقاد بالزمام ، ولكنه فطر على أن يهتدى بالعلم والأعلام - أعلام الكون ودلائل الحوادث - وإنما المعلمون منبهون ومرشدون ، وإلى طريق البحث هادون . صرح في وصف أهل الحق بأنهم : ( 39 : 18
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )
فوصفهم بالتمييز بين ما يقال من غير فرق بين القائلين ، ليأخذوا بما عرفوا حسنه ، ويطرحوا ما لم يتبينوا صحته ونفعه ، ومال على الرؤساء فأنزلهم من مستوى كانوا فيه يأمرون وينهون ، ووضعهم تحت أنظار مرءوسيهم يخبرونهم كما يشاءون ، ويمتحنون مزاعمهم حسبما يحكمون ، ويقضون فيما بما يعلمون ويتيقنون لا بما يظنون ويتوهمون . صرف القلوب عن التعلق بما كان عليه الآباء ، وما توارثه عنهم الأبناء ، وسجل الحمق والسفاهة على الآخذين بأقوال السابقين ، ونبه على أن السبق في الزمان ، ليس آية من آيات العرفان ، ولا مسميا لعقول على عقول ، ولا لأذهان على أذهان ، وإنما السابق اللاحق في التمييز والفطرة سيان ، بل للاحق من علم الأحوال الماضية ، واستعداده للنظر فيها والانتفاع بما وصل إليه من آثارها في الكون ، ما لم يكن لمن تقدمه من أسلافه وآبائه وقد يكون من تلك الآثار التي ينتفع بها أهل الجيل الحاضر ظهور العواقب السيئة لأعمال من سبقهم ، وطغيان الشر الّذي وصل إليهم بما اقترفه سلفهم ( 6 : 11
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )
وأن أبواب فضل اللّه لم تغلق دون طالب ، ورحمته التي وسعت كل شيء لن تضيق عن دائب .