تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ارتفاعهما معا ، أو وجوب أن الكل أعظم من الجزء مثلا . وقضى على هؤلاء كغيرهم بأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، وغاية أمرهم أنهم عباد مكرمون 127 ، وأن ما يجريه على أيديهم فإنما هو بإذن خاص وبتيسير خاص في موضع خاص ، لحكمة خاصة . ولا يعرف شأن اللّه في شيء من هذا إلا ببرهان كما تقدم . دل هذا الدين بمثل قول الكتاب : ( 16 : 78
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 128
) والشكر عند العرب معروف أنه تصريف النعمة فيما كان الإنعام بها لأجله - دل بمثل هذا على أن اللّه وهبنا من الحواس وغرز فينا من القوى ما نصرفه في وجوهه بمحض تلك الموهبة ، فكل شخص كاسب لعمله بنفسه لها أو عليها . وأما ما تتحير فيه مداركنا ، وتقصر دونه قوانا ، وتشعر فيه أنفسنا بسلطان يقهرها ، أو ناصر يمدها فيما أدركها العجز عنه على أنه فوق ما تعرفه من القوى المسخرة لها ، وكان لا بدّ من الخضوع له والرجوع إليه والاستعانة به ، فذلك 129 إنما يرد إلى اللّه وحده . . فلا يجوز أن تخشع إلا له ، ولا تطمئن إلا إليه . وكذلك جعل شأنها فيما تخافه وترجوه مما تقبل عليه في الحياة الآخرة ، لا يسوغ لها أن تلجأ إلى أحد غير اللّه في قبول أعمالها من الطيبات ، ولا في غفران أفاعيلها من السيئات ، فهو وحده مالك يوم الدين . اجتثت بذلك جذور الوثنية وما وليها . مما لو اختلف عنها في الصور والشكل ، أو العبارة واللفظ ، لم يختلف عنها في المعنى والحقيقة . تبع هذا طهارة العقول من الأوهام الفاسدة التي لا تنفك عن تلك العقيدة الباطلة ، ثم تنزه النفوس عن الملكات السيئة التي كانت تلازم تلك الأوهام ، وتخلصت بتلك الطهارة من الاختلاف في المعبودين وعليهم 130 وارتفع شأن الإنسان ، وسمت قيمته بما صار إليه من الكرامة . بحيث أصبح لا يخضع لأحد إلا لخالق السماوات والأرض ، وقاهر الناس أجمعين . وأبيح 131 لكل أحد بل فرض عليه أن يقول كما قال إبراهيم : ( 6 : 79
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا