فالإخبار بالغيب فيه قوله » «
وَلَنْ تَفْعَلُوا
: وكان هذا بعد التصريح بعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله قد يقال إن بعض دعاة الضلال في بلاد الفرس والهند قد تحدوا مثل هذا التحدي في بعض ما كتبوه لإثبات ما ادعوه من الوحي إليهم أو الألوهية لأنفسهم ، ولم نعلم أن أحدا تصدى لمعارضتهم . ونقول في الجواب على تقدير تسليم الدعوى : إن أولئك لم يكونوا أولى شأن يبالي بدعوتهم وتحديهم بل من الموسوسين ( كالباب والقاديانى مسيح الهند الدجال ) وكان جل ما جاءوا به من ذلك أشبه باللغو منه بكلام العقلاء أو النبيين ، وما كان لعاقل أن يعارض المجانين ، ولا لبليغ أن يحاكى هذيان المحمومين والمصروعين ، ولا يزال يظهر أمثالهم في تلك البلاد وغيرها ولا يبالي بهم أحد ، ولكن رزق بعضهم الحظوة في بلاد أعجمية ، أتوا فيها بسخافات جنوا بها على العربية ، وما ادعاه بعضهم من إعجاز بعض ما كتبه فهو ليس كتحدى الأنبياء ، بل كمبالغة بعض الأدباء والشعراء ، كالشيخ أحمد فارس الّذي قال في مقدمة كتابه « الساق على الساق » غلوا في الفخر به :
عهد إلى ولدى أن يتحديا * أسلوبه وبدفتيه يطيفا
على أنه يوجد أمثال لتلك الكتب السخيفة ، ولهذه الكتب اللطيفة ، ولو قيل لهم أو لبعض أشياعهم . إنها مثلها أو أمثل منها في بابها لأنكروا . ومن ذا الّذي يبالي بهم وبإقناعهم ؟ وليس شأن القرآن مع العرب ثم مع سائر الأمم كذلك وإعجازه من وجوه كثيرة في نفسه وفي كون من جاء به أميا بلغ الأربعين . ومن المحال أن يبتكر أحد من البشر في هذا السن علما لم يستعد له ولم يزاوله ، وكل من ذكرنا كانوا متعلمين وهو صلى الله تعالى عليه وسلم قد جاء بأقصى الغايات من أعلى العلوم ولم يسبق له اكتساب شيء ما من الاستعداد له ولا علوم العقائد ولا الشرائع ولا الحكمة العملية ولا العلمية ولا التاريخ وفلسفته . . . ولا كان ممتازا قبله بالبلاغة في الشعر والخطابة ولا الجدل ، ثم جاء هذا الكتاب بالغاية القصوى في هذه العلوم ، وتلك معجزات كثيرة غير معجزة بلاغته وأسلوبه البديع وغير ما فيه من أنباء الغيب ، وكانت الدواعي لمعارضته قوية ، فإنه زلزل سلطانهم الديني والدنيوي حتى قوضه من أساسه ، ولم يكن لهؤلاء الأدعياء المتأخرين مثل هذا السلطان والتأثير العظيم ، على أن أدهاهم في الدعاية وهم البهائية يخفون كتابهم الّذي سموه الأقدس بدلا من التحدي به ولو أظهروه لافتضحوا به .