على كل شيء الّذي وسع كل شيء رحمة وعلما ، ذلك أمر الله الصادع ، يقرع الآذان ، ويشق الحجب ، ويمزق الغلف ، وينفذ إلى القلوب ، على لسان من اختاره لينطق به ، واختصه بذلك وهو أضعف قومه ، ليقيم من هذا الاختصاص برهانا عليه ، بعيدا عن الظنة ، بريئا من التهمة ؛ لإتيانه على غير المعتاد بين خلقه .
أي برهان على النبوة أعظم من هذا ؟ أمي قام يدعو الكاذبين إلى فهم ما يكتبون وما يقرءون ، بعيد عن مدارس العلم ، صاح بالعلماء ليمحصوا ما كانوا يعلمون ، في ناحية عن ينابيع العرفان جاء يرشد العرفان ، ناشئ بين الواهمين هب لتقويم عوج الحكماء ، غريب في أقرب الشعوب إلى سذاجة الطبيعة ، وأبعدها عن فهم نظام الخليقة ، والنظر في سننه البديعة ، أخذ يقرر للعالم أجمع أصول الشريعة ، ويخط للسعادة طرقا لن يهلك سالكها ، ولن يخلص تاركها .
ما هذا الخطاب المفحم ؟ ما ذلك الدليل الملجم ؟ أأقول ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ؟ لا لا أقول ذلك ، ولكن أقول كما أمره الله أن يصف نفسه : إن هو إلا بشر مثلكم يوحى إليه ، نبي صدق الأنبياء ولكن لم يأت في الإقناع برسالته بما يلهى الأبصار ، أو يحير الحواس ، أو يدهش المشاعر . ولكن طالب كل قوة بالعمل فيما أعدت له ، واختص العقل بالخطاب ، وحاكم إليه الخطأ والصواب ، وجعل في قوة الكلام وسلطان البلاغة وصحة الدليل مبلغ الحجة ، وآية الحق الّذي
( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )
القرآن
جاءنا الخبر المتواتر الّذي لا تتطرق إليه الريبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في نشأته وأميته على الحال التي ذكرنا . وتواترت أخبار الأمم كافة على أنه جاء بكتاب قال إنه أنزل عليه وأن ذلك الكتاب هو القرآن المكتوب في المصاحف ، المحفوظ في صدور من عنى بحفظه من المسلمين إلى اليوم .
كتاب حوى من أخبار الأمم الماضية . ما فيه معتبر للأجيال الحاضرة والمستقبلة :