نقب على الصحيح منها وغادر الأباطيل التي ألحقتها الأوهام بها . ونبه على وجوه العبرة فيها .
حكى عن الأنبياء ما شاء الله أن يقص علينا من سيرهم . وما كان بينهم وبين أممهم . وبرأهم مما رماهم به أهل دينهم المعتقدين برسالاتهم .
آخذ العلماء من الملل المختلفة على ما أفسدوا من عقائدهم ، وما خلطوا في أحكامهم . وما حرفوا بالتأويل في كتبهم - وشرع للناس أحكاما تنطبق على مصالحهم ، وظهرت الفائدة في العمل بها والمحافظة عليها . وقام بها العدل وانتظم بها شمل الجماعة ما كانت عند حد ما قرره . ثم عظمت المضرة في إهمالها والانحراف عنها . أو البعد بها عن الروح الّذي أودعته ، فقالت بذلك جميع الشرائع الوضعية كما يتبين للناظر في شرائع الأمم .
ثم جاء بعد ذلك
123
بحكم ومواعظ وآداب تخضع لها القلوب . وتهش لاستقبالها العقول . وتنصرف وراءها الهمم . انصرافها في السبيل الأتم .
نزل القرآن في عصر اتفق الرواة وتواترت الأخبار على أنه أرقى الأعصار عند العرب . وأغزرها مادة في الفصاحة . وأنه الممتاز بين جميع ما تقدمه بوفرة رجال البلاغة وفرسان الخطابة . وأنفس ما كانت العرب تتنافس فيه من ثمار العقل ونتائج الفطنة والذكاء : هو الغلب في القول والسبق إلى إصابة مكان الوجدان من القلوب ، ومقر الإذعان من العقول ، وتفانيهم في المفاخرة بذلك مما لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه .
تواتر الخبر كذلك بما كان منهم من الحرص على معارضة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولتماسهم الوسائل قريبها وبعيدها لإبطال دعواه ، وتكذيبه في الإخبار عن الله ، وإتيانهم في ذلك على مبلغ استطاعتهم . وكان فيهم الملوك الذين تحملهم عزة الملك على معاندته ، والأمراء الذين يدعوهم السلطان إلى مناوئته ، والخطباء والشعراء والكتاب الذين يشمخون بأنوفهم عن متابعته ، وقد اشتد جميع أولئك في مقاومته ، وانهالوا بقواهم عليه ، استكبارا عن الخضوع له ، وتمسكا بما كانوا عليه من أديان آبائهم ، وحمية لعقائدهم وعقائد أسلافهم ، وهو
رسالة التوحيد — صفحة 103
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص١٠٣