لم يكن من آبائه ملك فيطالب بما سلب من ملكه . وكانت نفوس قومه في انصراف تام عن طلب مناصب السلطان ، وفي قناعة بما وجدوه من شرف النسبة إلى المكان ، دل عليهما ما فعل جده عبد المطلب عند زحف أبرهة الحبشي على ديارهم ، جاء الحبشي لينتقم من العرب بهدم معبدهم العام ، وبيتهم الحرام ، ومنتجع حجيجهم ، ومستوى العلية من آلهتهم ، ومنتهى حجة القرشييّن في مفاخرتهم لبنى قومهم . وتقدم بعض جنده فاستاق عددا من الإبل فيها لعبد المطلب مائتا بعير ، وخرج عبد المطلب في بعض قريش لمقابلة الملك فاستدناه وسأله حاجته . فقال : هي أن ترد إلى مائتي بعير أصبتها لي ، فلامه الملك على المطلب الحقير ، وقت الخطب الخطير ، فأجابه : أنا رب الإبل وأما البيت فله رب يحميه .
هذا غاية ما ينتهى إليه الاستسلام - وعبد المطلب في مكانه من الرئاسة على قريش . فأين من تلك المكانة محمد - صلى الله عليه وسلم - في حالة من الفقر ، ومقامه في الوسط من طبقات أهله ، حتى ينتجع ملكا أو يطلب سلطانا ؟ لا مال ، ولا جاه ، لا جند ، لا أعوان ، لا سليقة في الشعر ، لا براعة في الكتاب ، لا شهرة في الخطاب ، لا شيء كان عنده مما يكسب المكانة في نفوس العامة أو يرقى به إلى مقام ما بين الخاصة .
ما هذا الّذي رفع نفسه فوق النفوس ؟ ما الّذي أعلى رأسه على الرؤوس ، ما الّذي سما بهمته على الهمم ، حتى انتدب لإرشاد الأمم وكفالته لهم كشف الغمم . بل وإحياء الرمم ؟
ما كان ذلك إلا ما ألقى الله في روعه من حاجة العالم إلى مقوم لما زاغ من عقائدهم ، ومصلح لما فسد من أخلاقهم وعوائدهم ، وما كان ذلك إلا وجدانه ريح العناية الإلهية تنصره في عمله . وتمده في الانتهاء إلى أمله . قبل بلوغ أجله ما هو إلا الوحي الإلهي يسعى نوره بين يديه يضيء له السبيل . ويكفيه مئونة الدليل ، ما هو إلا الوحي السماوي ، قام لديه مقام القائد والجندي . أرأيت كيف نهض وحيدا فريدا يدعو الناس كافة إلى التوحيد ، والاعتقاد بالعلى المجيد . والكل ما بين وثنية مفرقة . ودهرية وزندقة ؟ .
رسالة التوحيد — صفحة 99
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٩٩