المتكلم ، والعليم الخبير هو الناطق على لسانه ، وقد أحاط علمه بقصور جميع القوى عن تناول ما استنهضهم له وبلوغ ما حثهم عليه .
يقول واهم : إن العجز حجة على من عجز ، فإن العجز هو حجة الإفحام وإلزام الخصم ، وقد يلتزم الخصم بعض المسلمات عنده فيفحم ، ويعجز عن الجواب فتلزمه الحجة ، ولكن ليس ذلك بملزم لغيره ، فمن الممكن أن لا يسلم غيره بما سلمه ، فلا يفحمه الدليل ، بل يجد إلى إبطاله أقرب سبيل .
وهو وهم يضمحل بما قدمناه من البيان ، إذ لا يوجد من المشابهة بين إعجاز القرآن وإفحام الدليل إلا أنه يوجد عن كل منهما عجز . وشتان بين العجزين ، وبعد ما بين وجهتي الاستدلال فيهما ، فإن إعجاز القرآن برهن على أمر واقعي وهو تقاصر القوى البشرية دون مكانته من البلاغة ، وقلنا : « القوى البشرية » لأنه جاء بلسان عربى ، وقد عرف الكتاب عند جميع العرب في عهد النبوة ، وكان حال العصر من البلاغة كما ذكرنا ، وحال القوم في العناد كما بينا ، ومع ذلك لم يمكن للعرب أن يعارضوه بشيء من مبلغ عقولهم .
فلا يعقل أن فارسيا أو هنديا أو رومانيا يبلغ من قوة البلاغة في العربية أن يأتي بما عجز عنه العرب أنفسهم ، وتقاصر القوى جميعها عن ذلك مع التماثل بين النبي وبينهم في النشأة والتربية وامتياز الكثير منهم بالعلم والدراسة . دليل قاطع على أن الكلام ليس مما اعتيد صدوره عن البشر ، فهو اختصاص من الله سبحانه لمن جاء على لسانه ، ثم ما ورد في القرآن من تسجيل العجز عليهم والتعرض للاصطدام بجميع ما أتوا من قوة ، مما يدل على الثقة من أمره على ما سبق تعداده من الأمور التي لا يمكن معها لعاقل أن يقف ذلك الموقف ، مع طول الزمن وانفساح الأجل . كل ذلك يدل أن الناطق هو عالم الغيب والشهادة لا رجل يعظ وينصح على العادة .
فثبت بهذه المعجزة العظمى ، وقام الدليل بهذا الكتاب الباقي ، الّذي لا يعرض عليه التغيير ، ولا يتناوله التبديل ، أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسول الله إلى خلقه ، فيجب التصديق برسالته ، والاعتقاد بجميع ما ورد في الكتاب المنزل
رسالة التوحيد — صفحة 105
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص١٠٥