تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
مع ذلك يخطئ آراءهم ، ويسفه أحلامهم ، ويحتقر أصنامهم ، ويدعوهم إلى ما لا تعهده أيامهم ، ولم تخفق لمثله أعلامهم ، ولا حجة له بين يدي ذلك كله إلا تحديهم بالإتيان بمثل أقصر سورة من ذلك الكتاب أو بعشر سور من مثله 124 وكان في استطاعتهم أن يجمعوا إليه من العلماء والفصحاء والبلغاء ما شاءوا ليأتوا بشيء من مثل ما أتى به ليبطلوا الحجة ، ويفحموا صاحب الدعوة . جاءنا الخبر المتواتر أنه مع طول زمن التحدي ، ولجاج القوم في التعدي ، أصيبوا بالعجز ، ورجعوا بالخيبة ، وحقت للكتاب العزيز الكلمة العليا على كل كلام ، وقضى حكمه العلى على جميع الأحكام . أليس في ظهور مثل هذا الكتاب على لسان أمي أعظم معجزة وأدل برهان على أنه ليس من صنع البشر ، وإنما هو النور المنبعث عن شمس العلم الإلهي ، والحكم الصادر عن المقام الرباني ، على لسان الرسول الأمى - صلوات الله عليه ؟ . هذا وقد جاء في الكتاب من أخبار الغيب ما صدقته حوادث الكون ، كالخبر في قوله : ( 30 : 2
غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ )
وكالوعد الصريح في قوله : ( 24 : 55
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )
الآية . وقد تحقق جميع ذلك ، وفي القرآن كثير من مثل هذا ، يحيط به من يتلوه حق تلاوته . ومن الكلام على الغيب فيه : ما جاء في تحدى العرب به ، واكتفائه في الرجوع عن دعواه بأن يأتوا بسورة من مثله ، مع سعة البلاد العربية ووفرة سكانها وتباعد أطرافها وانتشار دعوته على لسان الوافدين إلى مكة من جميع أرجائها ومع أنه لم يسبق له صلى الله عليه وسلم السياحة في نواحيها والتعرف برجالها ، وقصور العلم البشرى عادة عن الإحاطة بما أودع في قوى أمة عظيمة كالأمة العربية ؛ فهذا القضاء الحاتم منه بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بشيء من مثل ما تحداهم به ليس قضاء بشريا ، ومن الصعب بل من المتعذر أن يصدر عن عاقل التزام كالذي التزمه ، وشرط كالذي شرطه على نفسه . لغلبة الظن عند من له شيء من العقل أن الأرض لا تخلو من صاحب قوة مثل قوته 125 وإنما ذلك هو الله
رسالة التوحيد — صفحة 104 | الشيخ محمد عبده