تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة التوحيد — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
كما كان الشأن في معرفتهم لمبدع الكائنات أجمع والحاجة إلى أولئك المصطفين إنما هي في معرفة الصفات التي أذن الله أن تعلم منه ، وليست في الاعتقاد بوجوده ، وقرر أن لا سلطان لأحد من البشر على آخر منه إلا ما رسمته الشريعة وفرضه العدل . ثم الإنسان بعد ذلك يذهب بإرادته إلى ما سخرت له بمقتضى الفطرة . دعا الإنسان إلى معرفة أنه جسم وروح ، وأنه بذلك من عالمين متخالفين ، وإن كانا ممتزجين ، وأنه مطالب بخدمتها جميعا وإيفاء كل منهما ما قررت له الحكمة الإلهية من الحق . دعا الناس كافة إلى الاستعداد في هذه الحياة لما سيلاقون في الحياة الأخرى ، وبين لهم أن خير زاد يتزوده العامل هو الإخلاص لله في العبادة ، ولإخلاص للعباد في العدل والنصيحة والإرشاد . قام بهذه الدعوة العظمى وحده ، ولا حول له ولا قوة ، كل هذا كان منه والناس أحباء ما ألفوا وإن كان خسران الدنيا وحرمان الآخرة ، أعداء ما جهلوا وإن كان رغد العيش وعزة السيادة ، ومنتهى السعادة ، كل هذا والقوم حواليه أعداء أنفسهم ، وعبيد شهواتهم ، لا يفقهون دعوته ، ولا يعقلون رسالته ، عقدت أهداب بصائر العامة منهم بأهواء الخاصة ، وحجبت عقول الخاصة بغرور العزة عن النظر في دعوى فقير أمي مثله ، لا يرون فيه ما يرفعه إلى نصيحتهم ، والتطاول إلى مقاماتهم الرفيعة باللوم والتعنيف . لكنه في فقرة وضعفه كان يقارعهم بالحجة ، ويناضلهم بالدليل ، ويأخذهم بالنصيحة ، ويزعجهم بالزجر ، وينبههم للعبر ، ويحوطهم مع ذلك بالموعظة الحسنة ، كأنما هو سلطان قاهر في حكمه ، عادل في أمره ونهيه ، أو أب حكيم في تربية أبنائه ، شديد الحرص على مصالحهم ، رؤوف بهم في شدته ، رحيم في سلطته . ما هذه القوة في ذلك الضعف ؟ ما هذا السلطان في مظنة العجز ؟ ما هذا العلم في تلك الأمية ؟ ما هذا الرشاد في غمرات الجاهلية ؟ إن هو إلا خطاب الله القادر