سلما وهم شاغبون
120
صحيح الاعتقاد وهم واهمون ، مطبوعا على الخير وهم به جاهلون ، وعن سبيله عادلون .
من السنن المعروفة أن يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته . ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه ولا سيما إن كان من ذوى قرابته ، وأهل عصبته ، ولا كتاب يرشده ولا أستاذ ينبهه ، ولا عضد إذا عزم يؤيده ، فلو جرى الأمر فيه على جارى السنن لنشأ على عقائدهم ، وأخذ بمذاهبهم ، إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ، ويكون للفكر والنظر مجال ، فيرجع إلى مخالفتهم ، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم ، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده
121
ولكن الأمر لم يجر على سنته ، بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره ، فعاجلته طهارة العقيدة ، كما بادره حسن الخليقة ، وما جاء في الكتاب من قوله :
( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى )
لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد ، أو على غير السبيل القويم ، قبل الخلق العظيم ، حاش لله إن ذلك لهو الإفك المبين . وإنما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص فيما يرجون للناس من الخلاص . وطلب السبيل إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين . وإرشاد الضالين .
وقد هدى الله نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته ، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته .
وجد شيئا من المال يسد حاجته « وقد كان له في الاستزادة منه ما يرفه معيشته » بما يعمل لخديجة - رضى الله تعالى عنها - في تجارتها ، وبما اختارته بعد ذلك زوجا لها ، وكان فيما يجتنيه من ثمرة عمله غناء له ، وعون على بلوغه ما كان عليه أعاظم قومه ، ولكنه لم ترفه الدنيا . ولم تغره زخارفها ، ولم يسلك ما كان يسلكه مثله في الوصول إلى ما ترغبه الأنفس من نعيمها ، بل كلما تقدمت به السن زادت فيه الرغبة عما كان عليه الكافة ، ونما فيه حب الانفراد والانقطاع إلى الفكر والمراقبة ، والتحنث بمناجاة الله تعالى ، والتوسل إليه في طلب المخرج من همه الأعظم في تخليص قومه ونجاة العالم من الشر الّذي تولاه - إلى أن انفتق له الحجاب عن عالم كان يحثه إليه الإلهام الإلهي
122
وتجلى عليه النور القدسي ، وهبط عليه الوحي من المقام العلى . في تفصيل ليس هذا موضعه .