صفاء كما يشاهد في المنام ، فربّما كان المحلوم به أعظم شأنا في بابه من المحسوس ، على أنّ الأخروي أشدّ استقرارا من الموجود في المنام بحسب قلّة العوائق وتجرّد النفس وصفاء القابل ، وليست الصورة الّتي ترى في المنام ، بل و [ لا ] الّتي تحسّ في اليقظة إلّا المرتسمة في النفس ، إلّا أنّ أحدهما يبتدئ من باطن وينحدر إليه ، والثاني يبتدئ من خارج ويرتفع إليه . فإذا ارتسم في النفس تمّ هناك الإدراك المشاهد ، وإنّما يلذ ويؤذى بالحقيقة هذا لمرتسم في النفس ، لا الموجود في خارج ، وكلّ ما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن له سبب من خارج « 1 » .
فيقولون : إنّ هذه الصور - أعني الاعتقادات الحقّة أو الباطلة والأخلاق الذكية أو الذميمة العاطلة - ستظهر في النشأة الآخرة بصورة نعيم الجنّة وحورها وقصورها أو بصورة عذاب النار وعقاربها وحيّاتها ، بل منهم من يجوّز أن يكون الشيء جوهرا وعرضا معا بالقياس إلى الوجود الخارجي بحسب نشأة واحدة في الوقتين إذ ليست حقيقته عنده معلومة ، وإنّما يسمّيه بصورة برزت في ظرف من الظروف ، كما إذا تمثّل مثلا جبرئيل بصورة بشر كالدحية الكلبي يسمّيه به ، وإذا ظهر بصورة أخرى كصورة طير من الطيور يسمّيه به ، وهكذا ، وإن كانت حقيقته حقيقة واحدة إلّا أنّه مجهولة بالنظر إليه ، فيسمّيه باسم ما برز بصورته .
وليس هذا من الانقلاب في شيء كما ظنّه بعض المعاصرين - فإنّ معناه أن تزول إحدى الموادّ الثلاث عن الذات وتتّصف بأخرى مكانها ، فيصير الواجب مثلا ممكنا أو بالعكس . وأمّا اتّحاد الاثنين بأن يصير شيء بعينه من غير أن يزول عنه شيء أو ينضمّ إليه شيء شيئا آخر - كأن يكون هناك زيد وعمرو مثلا فيتّحدا بأن يصير زيد بعينه عمرو أو بالعكس فممتنع لأدلّة دلّت عليه ؛ وليس تبادل الصور الجوهريّة والعرضيّة على حقيقة واحدة بحسب اختلاف الظروف مع بقائها من هذا القبيل كما ظنّه .
وأمّا قولهم : « العرض لا يصحّ عليه الانتقال من موضوعه لأنّه من جملة مشخصاته » فعلى تقدير تسليمه يكون معناه أنّ العرض ما دام عرضا لا يصحّ عليه ذلك ، فإذا صار
هامش
( 1 ) الشفا ( الالهيّات ) : 432 .